عبد الملك الجويني
58
نهاية المطلب في دراية المذهب
قل كذا وكذا ، والذي يوضح ذلك أنه إذا استفصل ، فقد يُفسد المدعي دعواه بتفصيله ، إذا لم يبيّن له وجه الصحة والفساد ، ولو لم يستفصل وأطلق المدعي الدعوى ، فرَدُّ دعواه مع إمكان صحتها بعيدٌ . هذا مسلك . وقال قائلون : إن لم يكن المدعي [ غبيّاً ] ، ( 1 ) ، فلا يتعرض القاضي له حتى يتم الدعوى ، وإن كان غبيّاً ، فله أن يستفصل ، فإن غباوته لو ترك ، لانتصبت سبباً في إبطال حقه ؛ فإنه لا يدري ما تصح به الدعوى ، فإذا ردت دعواه مطلقاً ، نبا ( 2 ) عن حقه ، وأفضى رد الدعوى إلى نِفاره ، وإشكال الأمر عليه ، من حيث لا يدري محيصاً . وقال قائلون من أصحابنا : ليس للقاضي أن يستفصل أصلاً . وهذا يخالف النص ، فلا يعتد به . وقال قائلون : إن أشار المدعي إلى جمع فقال : قاتل أبي منهم ، فقال له القاضي : من قتله منهم ؟ وإن لم يكن كذلك لم يستفصل . وكل ذلك خبطٌ ، والوجه الجريان على النص ، والدليل عليه أن صاحب الواقعة لو جاء مستفتياً ، وسأل عما تصح به الدعوى ، فلا نغادر المعنى بياناً وإن كان ذلك تلقيناً للدعوى ، أو تعليماً لتصحيحها ، فهذا ما يجب الجريان عليه . ولكن لا يليق بأدب القضاء أن يعلَّم [ المدعي ] ( 3 ) كيفية الدعوى بأن يقول : قل : كذا وكذا ، ولا يليق بمصلحة الحال أن يسكت حتى يتخبط ، بل يستفصل ليعلَمَ ، لا ليعلِّم . ولو ذكر المدعي أن القتل عمد ، فلما استوصفه القاضي العمدَ ، ذكر ما لا يكون عمداً ، [ بطل دعواه في العمد ، وهل تبطل ] ( 4 ) دعواه في أصل القتل ؟ اختلف أصحابنا
--> ( 1 ) في الأصل : " غافلاً " . والمثبت من ( ه 2 ) . ( 2 ) نبا عن حقه : بعد عنه ، ولم يصل إليه . ( 3 ) في الأصل : " القاضي " . والمثبت من ( ه 2 ) . ( 4 ) زيادة من ( ه 2 ) سقطت في الأصل ، ومكانها " فتبطل " .