عبد الملك الجويني
500
نهاية المطلب في دراية المذهب
القولين - أن الأموال والأرش على ما تقدم التفصيل فيءٌ ، فإنها أموالاً متلقاة من كافر من غير قتال ، وقد عسر تقدير الميراث ؛ من جهة أن التوريث من الرقيق غير ممكن ، والتوريث في حالة الحياة ، لا سبيل إليه ، وهذا عندي أقيس القولين . والقول الثاني - أن الأموال مصروفة إلى الورثة ، وكذلك الأرش على ما فصلنا التفريع على الأقوال الثلاثة ، ووجهه أن الأموال كانت مبقّاة فينا ( 1 ) على حكم أمانٍ ونقضُ مالكها العهد لم يُبطل الأمانَ في المال ؛ فإن هذه التفريعات بجملتها مجراة على أن حكم الأمان يبقى في الأموال ، ثم لو مات الحربي عليها ، فقد ذكرنا قولين في أنه هل يورث ، وصححنا التوريث منه ، فالاسترقاق ينبغي ألا يحُلَّ ( 2 ) أمانَ المال ، كما لم يحُلّ نبذُ العهد أمانَ المال ، وإذا لم يحُل أمان المال ، وتعيّن ألا يُصرفَ إلى جهة الفيء ، ثم لا مسلك أخص به من مسلك التوريث ، فاقتضى مجموعُ ذلك الصرفَ إلى الورثة . فأما امتناع التوريث من الرقيق ، فذاك من تفاصيل شرعنا ، والكفار لا يتعبدون بتفاصيل الشرع إيقاعاً وابتداءً ، ومن زعم أنهم مخاطبون عَنَى بذلك ربطَ المأثم بهم في ردّهم الشرع المشتمل على تفاصيل الأحكام ، ثم يتعرضون لاستيجاب العقاب على كلّ محرّمٍ في الشرع اقتحموه ، وكل واجب تركوه ، فأما ربط ما يتعلق بهم بقواعد الشرع وشرائطها ، فلا سبيل إلى التزامها ، فقد جرى القولان في الأموال ، والأروش الذي كنا نصرفه في مسألة الجناية إلى الورثة .
--> = الشافعي على الصرف إلى الوارث ، وقد مات رقيقاً ، ونص في وديعة المستأمنَ إذا مات رقيقاً أنه فيء لعسر التوريث من الرقيق ؟ قلنا : من ذلك قال الأصحاب : في المسألتين قولان بالنقل والتخريج من غير فرق : أحدهما - أن المال في المسألتين مصروف إلى الفيء ؛ فإن التوريث من الرقيق بعيد ، وأبعد منه التوريث من الحي لو أسندنا الاستحقاق إلى ما قبل الموت . والثاني - أنه للورثة ، إذ جعلُه فيئاً نقضٌ لحكم الأمان ، فلا بدّ من بقاء الأمان ، ومنع التوريث من الرقيق حكمُ شرعِنا ، فلا ننقض أمان الكفار بهذا العذر ، وهم لا يؤاخذون بحكم شرعنا في الحال " . ( ر . البسيط : 5 / ورقة : 172 يمين ) . ( 1 ) فينا : أي في ديار الإسلام . ( 2 ) ألا يحُل أمان المال : أي ألا يبطل أمان المال .