عبد الملك الجويني
501
نهاية المطلب في دراية المذهب
11393 - فإن قلنا : الأموال والأروش مصروفة إلى مصارف الفيء ، فلا كلام . وإن قلنا : هي مصروفة إلى الورثة ، ففي طريق الصرف إلى الورثة تردد عندي ، يجوز أن يقال : لا يصرف إليهم إرثاً ، وإنما يصرف من حيث لا يؤخذ منهم ، فالمال في أمانٍ غير منحلّ . وهذا يناظر ما إذا قلنا : من مات وبعضه حر وبعضه رقيق ، فالأموال التي خلصت له بسبب الحرية مصروفة إلى مالك الرق في بعضه ، وليس هذا توريثاً ، وإنما هو صرف مال إلى أخص الجهات ، حيث يعسر إجراء قوانين الميراث ، ولذلك أقمنا السيد مقام العبد المقذوف بعد موته في طلب التعزير ، وليس هذا من التوريث ، ولكنه استمساك بأخص الطرق . ولو استدّ نظر الناظر ، استبان له أن التوريث بابٌ من التخصيص أيضاً ؛ فإن الأموال إذا زال عنها مالكها المختص ، ولا سبيل إلى تعطيلها ، فالوجه إقامة من يختص بالميت مقامه في نسب أو بسبب كما تقتضيه قواعد الفرائض ، هذا مسلكٌ . ويجوز أن يقال : هذا توريث . وقد صرح بذلك النص ، وأطلقه الأصحاب ، ثم على هذا تردد سيأتي شرحنا عليه ، إن شاء الله تعالى . فإن قلنا : ليس ما ذكرناه توريثاً ، فلا محاشاة من المصير إلى أن المال يصرف إلى الأخصِّين يوم الموت ، وإن قلنا : هذا توريث ، فينقدح فيه وجهان : أحدهما - أن نقول : نتبين استناد استحقاق الورثة إلى ما قبل جريان الرق ، فإن قيل : هذا توريث من حيٍّ . قلنا : هو كذلك . والعبارة القريبة من النظم أن نقول : هذا توريث يناظر مسألةً ذكرناها في الجراح ، وهي أن من قطع يد مسلم ثم ارتد المجني عليه ومات مرتدّاً ، فقد قال الشافعي : لوليه المسلم القصاصُ في الطرف ، فهذا في التحقيق خلافةٌ أثبتها بين المسلم وبين المجني عليه لمّا كان مسلماً ، فإنه لو اعتبر حالة الممات ، لكان مورِّثاً مسلماً من كافر ، ولا يرث المسلم المرتد عندنا . والذي يحقق ما ذكرناه أن من استُرق ومات ، فقد زالت أملاكه بالرق ، كما يزول ملك الحي بالموت ، فكان الرق المتقدم على موته في معنى الموت ، فأثبتنا الخلافة متصلة بمُزيل الملك ، وإن لم تكن متصلة بالموت نفسه .