عبد الملك الجويني

481

نهاية المطلب في دراية المذهب

وفي بعض التصانيف وجه آخر أنه يستحق أجر المثل للدلالة ؛ لأنه عمل لنا عملاً ولم يرض بأن يكون متطوعاً . وهذا الكلام فيه اختلال ، لا يبينه إلا تفصيل ، وهو أنه لو دلّ ، واكتفى بالجارية ، وذكر الفتح صريحاً أو لم يذكره ، ولكن اكتفى بالجارية ، فإذا حصرنا الحصن ، وكان القتال ممكناً ، فلم نقاتل ، فهل يستحق الدالّ والحالة هذه شيئاً ؟ هذا محلّ التردد ؛ فإنه يقول : دللتُ ، وفعلتُ ما علي ، فقصّرتُم . وينقدح أن يقال : لا شيء له ، للتعلق بالفتح تصريحاً ، أو تعريضاً . ويجوز أن يقال : يستحق الدالّ أجرَ المثل ؛ من جهة أنه استتم عمله . وإن حصرنا القلعة ، فلم يكن القتال ممكناً ، وكان بحيث لا يُطمع في افتتاحها إلا باتفاقٍ نادر ، فالوجه هاهنا ، القطعُ بأنه لا يستحق شيئاً ؛ لأنه ما دلنا على ممكن . وإن كان القتال ممكناً على الجملة ، ولم يكن الفتح مقطوعاً به ، فقاتلنا ، فلم يتفق الفتح ، فهذا يُبنى على ما إذا لم نقاتل أصلاً . فإن قلنا : إذا تُرك القتال أصلاً ، مع إمكان الفتح ، لم يستحق شيئاً ، فلأن لا يستحق هاهنا أولى ، وإن قلنا : الدّالّ لا يستحق ، فإذا قاتلنا ، فإن حصل اليأس ، وبذلنا المجهود ، فهذا يقرب منه ، إذا بان لنا اليأس ، كما ( 1 ) حصرنا ، وإن لم يحصل اليأس ، ولكن تبرّمنا بالقتال ، أو استنفرَنا أمرٌ انزعج الجند له ، فهذا محل التردد . وبالجملة : ينبغي أن تؤخذ هذه المسألة من هذه المآخذ التي أشرنا إليها . 11369 - وإن فتحنا القلعة ووجدنا الجارية التي شرطناها للعلج ، فيجب تسليمها إليه ، والوفاء به ، ولا يسوغ منعُها . وإن لم نجدها ، نُظر : فإن كان أخطأ العلج في ظنه كونَ الجارية في القلعة ، أو كانت ، ولكن تقدم موتها ، أو كانت ميتة يوم المعاقدة مع العلج ، أو لم يخلقها الله تعالى ، فقد قال الأئمة : لا شيء للعلج في هذه الصورة ؛ فإنه اكتفى بجارية ظنها ، وقد أخلف ظنه ، فحبط عمله .

--> ( 1 ) كما : بمعنى : عندما .