عبد الملك الجويني
480
نهاية المطلب في دراية المذهب
الجِعالة لا تصح بين المسلمين فيما لا يتعلّق بالكفار ، وسبب تصحيح هذه المعاملة فيما يتعلّق بالكفار أن الإمام قد لا يتهدَّى في دار الحرب إلى القلاع ، وربما لا يتهدّى المسلمون إليها في الغالب ، فتمس الحاجة إلى دلالة كافر ، فإذا لم يرض الكافر إلا بما سمَّى ، فالحاجة تقتضي تصحيحَ المعاملة ، إذا قيل : الجهالة تحتمل في الجعالة لمسيس الحاجة ، فإذا اضطررنا إلى إثبات فعلٍ يخالف القياس الدائر بيننا ، اتبعنا الحاجة . ولو كان الدال على القلعة مسلماً وشرط مثلَ الشرط الذي حكيناه صادراً عن العلج ، فالمذهب الأصح بطلانُ هذه المعاملة معه ، إلا على شرط المعاملة بين المسلمين . وفي بعض التصانيف أن هذه المعاملة تصح معه كما تصح مع العلج ؛ فإن مبنى جوازها على مسيس الحاجة إليها ، ولا يفرق في ذلك بين المسلم والكافر . وهذا كلام مبهم عندنا ، والوجه أن نقول : حكينا تردد الرأي في أن الوالي لو استأجر مسلماً على الغزو هل يصح ؟ فإن منعنا الاستئجار ، فلا معنى لهذه المعاملة مع المسلم ، فإن ما يأتي به يقع جهاداً منه ، فلا يستحق عليه أجراً . ثم كما لا يستحق الجارية المسماة في القلعة ، لا يستحق أجر المثل . وإن قلنا : يصح من الوالي استئجار واحد من المسلمين على الغزو ، فهل تصح هذه المعاملة معه ، كما تصح مع الكافر ؟ فعلى وجهين قدمنا ترجيحهما . 11368 - ثم إذا حضر الإمام بابَ الحصن ، وحاصرها ( 1 ) ، فلم يتفق الفتح ، نظر : فإن قال العلج الدال : إن فتحتموها ، فلي الجارية ، فلا يستحق إذا لم يتفق الفتح شيئاً ؛ فإنه علّق استحقاقه بالفتح ، فإن اشترط الجارية ، ولم يقيد المعاملة بالفتح ، ففي المسألة وجهان : أصحهما - أنه لا يستحق شيئاً ؛ فإن رضاه بالجارية بمثابة التصريح بذكر الفتح ؛ إذ لا يتعلق التوقع بتسليم الجارية إلا من جهة الفتح ، فصار كما لو قيد بالفتح .
--> ( 1 ) حاصرها : بضمير المؤنث على معنى القلعة .