عبد الملك الجويني
470
نهاية المطلب في دراية المذهب
نقول : يتعين على العبد الكائن في الناحية أن يستفرغ وُسعه في الذَّب . ومما تجب الإحاطة به في تحقيق الأمان أن الكافر يستفيد أماناً من المسلم الذي أمَّنه ، وأَمَنة المسلم أيضاً . والأمان نقيض الإرهاب بالقتال ، ولو ترك القتال - إذا لم يكن متعيناً - [ فالحاجات ] ( 1 ) تمس إلى التردّدات في أقطار ديار الكفار إلى الأمان . ثم إذا انتظم الأمان ، اقتضى ذلك العموم ، فإن من يحرم على مسلم قتله ، فالمسلمون أجمعون بمثابته ، والمحجور عليه لسفه كالمطلق . والمجنون ليس من أهل الحل والعقد ، والذي قطع به الأئمة أن الصبيّ كالمجنون في أنه لا يصح منه عقد الأمان . وذكر بعض المصنفين أن الأمان يصح [ من ] ( 2 ) الصبي المميّز ؛ فإنه لا ضرار فيه ، ولا تبعة ، فكان كالوصية والتدبير ، وهذا بعيدٌ لا أصل له . والمرأة كالرجل في صحة الأمان ، فإنها على الجملة - وإن كانت لا تقاتل - من أهل إعانة الرجال على القتال بالرأي والمال . وكذلك القول في الزَّمْنى والشيوخ . وقد أجارت زينب زوجَها أبا العاص ، وذكرت ذلك لما تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أجرنا من أجرت " ( 3 ) . هذا تمام القول فيمن يكون من أهل الأمان . 11355 - فأما حكم الأمان ، فالذي انعقد له الأمان لا يُتعرض له ، وللمال الذي معه ، وأما أمواله الغائبة عنه ، فمطلق الأمان لا يتضمن عصمتَها ، فتغنم حيث تصادَف ، وأما الأموال التي معه ، فإن جرى لها تعرّض في الأمان ، اشتمل عليها الأمان ، وإن لم يجر لها تعرّض ، وإنما قال المسلم : أمنتك ، فالرأي الظاهر اختصاص الأمان بحقن دمه وعصمة رقبته من السبي ، والأسر . وليس هذا كعقد
--> ( 1 ) في الأصل : " والحاجات " . ( 2 ) في الأصل : " في " . ( 3 ) حديث إجارة زينب لزوجها العاص بن الربيع رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها ( ر . المسند : 6 / 276 . أبو داود : الجهاد ، باب في فداء الأسير بالمال ، ح 2962 ، الحاكم 3 / 236 ، البيهفي : 6 / 322 ، التلخيص : 4 / 203 ح 2244 ) . وقد حسنه الألباني في الإرواء : 5 / 43 ح 1216 .