عبد الملك الجويني

471

نهاية المطلب في دراية المذهب

الذمة ؛ فإن مطلقه يتضمّن عصمة الأموال ، كما سيأتي ذلك مشروحاً - إن شاء الله تعالى - في كتاب الجزية . وشبّبَ بعض أصحابنا بأن الأمان يتناول الأموال التي هي مع الكافر ، وسلك فيه مسلك التقرير ، فقال : يبعد أن يجوز سلب ثياب من أمّنه مسلم ، وإذا بعد ذلك ، فالمال الذي في رَحْله بمثابة الثياب التي على بدنه ، ولا خلاف في تصحيح عقد الأمان مع التصريح بالتخصيص بالدم والنفس ، والذمةُ لا تعقد كذلك ، كما سيأتي ، إن شاء الله عز وجل . وهذا التردد يرجع إلى حكم اللفظ وما يقتضيه إطلاق الأمان ، والأصح أن مطلَقَه لا يتناول المال الذي معه ، وأجرى الأئمة هذا التردّد في زوجاته ، وذراريه الذين هم معه ، ثم إذا حُقن دمُه بالأمان ، فلو قتله قاتل ، فالوجه عندنا القطع بأنه يضمن [ بما ] ( 1 ) يُضمن به المعاهَد والذمي ، وليس حقن دم المؤمّن بمثابة تحريم قتل الحربية ؛ فإن الحربية ذاتُ الشرع دفع القتلَ عنها في حالٍ ، وبسط الأيدي إلى سبيها وإرقاقها ، فليس ارتفاع القتل عنها للأمان . فهذا حكم الأمان . 11356 - [ فأما ] ( 2 ) ما يصح به الأمان ، فإن جرى لفظٌ مشعر ، فذاك ، وإن أشار مسلم ، بإثبات الأمان لكافر ، وأفهم بإشارته ، جرت الإشارة مجرى العبارة - باتفاق الأصحاب - مع القدرة على العبارة . وهذا مبناه على الاتساع ، وقد تمس الحاجة إلى إبدال العبارة بالإشارة ، أو إلى الاكتفاء بالكتابة ، ثم لم يُخصص هذا بقيام الحاجة ، حتى يجري مجرى العلّة المطّردة المنعكسة . ومما يجب الاعتناء به أن انعقاد الأمان يستدعي علمَ المؤمَّن به وقبوله ، حتى لو أمّن المسلمُ كافراً ، وهو جاهل بالعقد ، لجاز لكل من ظفر به قتله واسترقاقه ، ولو علم بإيجاب ( 3 ) عقد الأمان له ، فلم يقبله ، وردّ ، فلا يصحّ الأمان ، فإن قبله ، انعقد الأمان حينئذٍ .

--> ( 1 ) زيادة من المحقق . ( 2 ) في الأصل : " فهذا " . ( 3 ) بإيجاب : أي الإيجاب المقابل للقبول .