عبد الملك الجويني

464

نهاية المطلب في دراية المذهب

توجيه القولين : من منع القتل ، احتج بما روينا : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الحقوا خالداً ، وقولوا له : لا يقتل عسيفاً ولا امرأة " ؛ ولأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال ، فكانوا كالنسوان والصبيان . ومن قال : إنهم مقتولون ، احتج بقوله صلى الله عليه وسلم : " اقتلوا شيوخ المشركلين ، واستحيوا شَرْخَهم " ( 1 ) والشرخ الشباب . ثم اختلف أئمتنا في وجه تنزيل القولين في الشيخ ، فذهب المحققون إلى أنهما يجريان في الشيخ الفاني الذي لا يرجع إلى بطش ، ولا إلى رأي ، فأما من كان صاحب رأي ، فهو مقتول قولاً واحداً . ومن أصحابنا من أجرى القولين في الشيخ ذي الرأي ، إذا لم يكن من أهل القتال ، وهذه الطريقة ضعيفة . ثم لا ينتهي صاحبها إلى الانكفاف عن قتل شيخ حضر الواقعة ، وكان يدبّر الجند أو يَصلُح ( 2 ) له ، فمثل هذا مقتول ، ويدلّ عليه قصة دريد بن الصِّمة . وقيل : إنه كان ابنَ مائة وخمسين سنة ، فقتل في غزوة أَوْطاس ( 3 ) . فأما إذا حضر الواقعة شيخ لا يرجع إلى بطش ، ولا إلى رأي ، فيجوز إجراء القولين فيه ، ولا يمتنع القطع بقتله ؛ لأنه بحضوره ، ووقوفه مقاتلٌ . 11350 - ثم إن قلنا : هؤلاء مقتولون ، فلا شك أن سبيلهم سبيل المقاتلين ، فتغنم أموالهم ، وتسبي ذراريهم ، ونساؤهم . وإن قلنا : لا يقتلون ، فكيف سبيل الرق فيهم ؟ حاصل ما ذكره الأئمة في التفريع على هذا القول ثلاثة أوجه : أحدها - أنهم يَرِقون بنفس السبي كالنساء والذراري . والثاني - أنهم لا يَرِقون بنفس الوقوع في الأسر كالمقاتلة من الرجال ، ولكن للإمام

--> ( 1 ) حديث " اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم " رواه أبو داود ، والترمذي وقال : حسن صحيح غريب ، وأحمد ، والبيهقي . وقد ضعفه الألباني ( ر . أبو داود : الجهاد ، باب في قتل النساء ، ح 2670 ، الترمذي : السير ، باب ما جاء في النزول على الحكم ، ح 1583 ، أحمد : 5 / 12 ، 20 ، البيهقي : 9 / 91 ، ضعيف سنن أبي داود : ح 2670 ، ضعيف سنن الترمذي : ح 1648 التلخيص : 4 / 193 ح 2217 ) ( 2 ) يصلح له : أي يصلح للتدبير . والمعنى سواء كان يمارس التدبير فعلاً أو يصلح له . ( 3 ) حديث مقتل دريد بن الصمة . متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري ( ر . اللؤلؤ والمرجان : 3 / 169 ح 1624 ) .