عبد الملك الجويني

461

نهاية المطلب في دراية المذهب

سهمه ، ومِنْ قَصْده ( 1 ) الكفار ، فتجب الرقبة ، وفي وجوب الدية قولان في هذه الصورة . هذا ترتيب صاحب التقريب ، وهو حسن . فإن قيل : أليس ذكر الأئمة أن من قتل مسلماً على زي مشرك في دار الحرب ، فلا قود ، وفي لزوم الدية قولان ، وقد قطع صاحب التقريب أنه إذا قصده فقتله ، يلتزم الدية ؟ قلنا : يمكن أن يقال : لا اختلاف بين الطرق في ذلك ، والترتيب أن نقول : إذا اجتمع شيئان ( 2 ) ، فتجب الدية قولاً واحداً ، وإن فُقدا ، لم تجب قولاً واحداً ، وإن فقد أحدهما دون الآخر ، ففي وجوب الدية قولان . وبيان ذلك أنه إن علم أن فيهم مسلماً ، واجتمع مع ذلك أنه قصده ، وقتله ، فتجب الدية قولاً واحداً ، وإن حسبه كافراً . ولو عُدم الشيئان جميعاً ، فلم يعلم أن فيهم مسلماً ، ولا قصد عينه ، ولكن أخطأ السهم إليه ، ففي هذه الصورة لا تجب الدية قولاً واحداً ، وإن قصده ، فقتله جاهلاً ، ولم يعلم أن فيهم مسلماً على الجملة ، ففي وجوب الدية قولان ؛ فإنه وُجد أحد الشيئين ، وهو قصد القتل ، وعُدم الثاني ؛ فإنه لم يعلم أن فيهم مسلماً ، وبمثله لو علم أن فيهم مسلماً ، ولم يقصده في عينه ، ولكن أخطأ السهم ، ففي لزوم الدية قولان لوجود أحد الشيئين ، وهو علمه أن فيهم مسلماً ، ولم يقصده في عينه . وما ذكره الأئمة من القولين فيه إذا قتل شخصاً مقصوداً ، يمكن حمله على ما إذا لم يعلم أن فيهم مسلماً ، فيتجرد القصد ، فهو أحد الشيئين . هذا بيان هذه الطريقة . ولكن ذكر جماعةٌ من الأصحاب قولين فيمن قتل مسلماً ظنه كافراً على زي الكفار في لزوم الدية ، ودلّ كلامهم على أنه لا فصل بين أن يعلم أن فيهم مسلماً أو لا يعلم ، وهذا فصلٌ قد قدّمته ، ولكني أحببتُ إعادته للضبط الذي أشرنا إليه . ثم كل من قتل شخصاً خطأ ، فالدية على عاقلته ، فإن لم يكن في القتل خطأ ، ولكن درأنا عنه القصاص ، لا لمعنًى في الكفاءة ، ولكن لجهل كما صورناه ، فإذا

--> ( 1 ) المعنى : وكان قصده الكفار . ( 2 ) شيئان : هما : علمه بوجود المسلم والثاني قصده بالقتل ( من غير علمٍ بأنه المسلم طبعاً ) .