عبد الملك الجويني
460
نهاية المطلب في دراية المذهب
أشخاصٍ من أسرى المسلمين على مساهلة وتهوين ؛ إذ لو لم نفعل هذا ، لجرّت الحالة خَرْماً عظيماً في أمرٍ كلي ، وحفظُ الكليات أولى من حفظ الجزئيات . فانتهض مما ذكرناه قسمان في التقسيم الأول : أحدهما - أن يكون المسلمون في القلاع ، وقد فصلنا ذلك على بيان شافٍ ، والقسم الثاني - فرضُ قتل المسلم إذا تترس به الكافر ، وهذا ينقسم إلى فرض محصورين من الغزاة في مقابلة مترسين ، ولو هلك الغزاة ، لم ينخرم أمرٌ كلي ، وإنما هو إتلاف أشخاص ، وإبقاء أشخاص ، فلا يجوز إصابة المسلمين على ما تفصّل ، والآخر أن يُفرض التترس عند التفاف الزحفين ، وكان بحيث لو ترك التعرض للتِّرسة ، لخيف عليه اصطلام [ الجند ] ( 1 ) وانخرام أمر كلي ، فهذا موضع التردد في جواز قصد المسلم ، كما حكيناه عن العراقيين . وقد نجزت قواعد الفصل ، وأعاد الأئمة في هذا المقام فصولاً قدمناها في الجنايات والديات ، ومهدنا أصولها ، ونحن نجتنب المعادَ جهدنا ، ولكني أرى إعادة تلك الفصول لترتيبٍ حسنٍ ألفيناه لصاحب التقريب . 11346 - فنقول : ذهب صاحب التقريب إلى أن الغازي إذا رمى سهماً إلى صف الكفار في دار الحرب ، فأصاب سهمُه مسلماً : نُظر . فإن لم يَعرِف أن فيهم مسلماً ، فإذا فيهم مسلم ، ولم يسدّد سهمَه إليه ، ولكن [ حاد ] ( 2 ) السهم ، ومال إليه ، فأهلكه ، فلا تجب الدية في هذه الصورة ، وتجب الكفارة . ولو علم أن فيهم مسلماً على الجملة ، وسدّد سهمه نحوه ( 3 ) ، [ فأطنه ] ( 4 ) ، فمات ، قال صاحب التقريب : تجب الدية في هذه الصورة قولاً واحداً ، ولا يجب القود . ولو علم أن فيهم مسلماً ولم يقصده في عينه ، وإنما قصد غيره ، ولكن أصابه
--> ( 1 ) في الأصل : " الحد " . ( 2 ) في الأصل : " صاب " . وهو عكس المعنى المقصود . ( 3 ) وهو لا يعلم أنه المسلم الذي في صفهم . ( 4 ) في الأصل : " فطنّه " ، ولم أجده متعدياً إلا بالهمزة . وأطنَّه : أي قطع ساقه ( قاموس ومعجم ) وهنا بمعنى قتله .