عبد الملك الجويني
448
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل قال : " إذا التقوا العدوّ ، فلا يولُّوهم الأدبار . . . إلى آخره " ( 1 ) . 11335 - إذا تعارض الصفان ، وتلاقى الجندان ، وقابل كل مسلم من الكفار اثنان ، فالفرار يحرم ، وكان الأمر في الابتداء شديداً ، كما اقتضاه قوله تعالى : { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا } [ الأنفال : 65 ] ، فكان يجب على الواحد أن يقف لعشرة ، فعظم هذا واشتد احتماله ، فخفف الله تعالى عن المسلمين ، وقال تعالى : { الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } [ الأنفال : 66 ] ، فاستقر الشرع على مصابرة الواحد لاثنين ، والعشرة لعشرين . هذا هو الأصل . والفرار وعدد الكفار غير زائد على الضعف مع إمكان المصابرة من الكبائر ، وقد توعّد الله تعالى عليه بالوعيد الشديد ، فقال عز وجل : { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ . . . } الآية [ الأنفال : 16 ] . ولو التقى جمع من المسلمين بجمع من الكفار ، وكان الكفار من الأبطال المنعوتين ، وغلب على الظن أنهم يقتلون المسلمين لو صابروا ، ولم يولّوا ، فهل لهم أن يفرّوا ؟ فعلى وجهين : أحدهما - أن لهم الفرار ؛ فإن ما في هؤلاء من الأَيْد والنجدة يَبَرُّ معنىً على زيادة الأعداد - ولو زاد عدد الكفار على الضِّعف ، لجاز الفرار - من حيث يُغَلِّب ( 2 ) الغلبة ، لا من حيث صورة العدد . وإن زاد عدد الكفار على الضعف ، وغلب على الظن غلبتهم ، فيجوز الانهزام ، وإن لم يغلب على الظن غلبتهم ، فيجوز الانهزام لظاهر الحال ، وهو الذي يغلب عليه سياق الآية المشتملة على التخفيف . ولو غلب على الظن أنا نغلبهم ، بأن كنا أبطالاً ، وكانوا مستضعفين ، فظاهر المذهب ، وجوب المصابرة ؛ فإنَّ فرار الرجال الأبطال من الضعفة ، وإن زادوا على الضعف ، ولا حاجة إليه - ذلٌّ ، وليس هذا كفرار
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 185 . ( 2 ) أي يغلِّب ما في هؤلاء من الأيد والنجدة الظنّ بغلبتهم .