عبد الملك الجويني

449

نهاية المطلب في دراية المذهب

المسلمين من أبطال الكفار ، وعددهم غير زائد على الضعف ؛ فإن الحاجة ماسة ، ولا ذلّ في الفرار منهم . وتمسك بعض الأصحاب بصورة العدد ، واعتبار الغلبة ، وجعلها وجهين ، وقال : من اعتبر العدد ، جوّز للمائة من أبطال المسلمين الفرار من مائتين وواحدٍ من الكفار ، وإن كانوا مستضعفين بالإضافة إلى المسلمين ، نظراً إلى العدد ؛ فإن اتباع صفات الرجال عَسِرٌ ، سيّما في القتال . ومن اعتبر غلبة الظن في الغلبة ، قال : ليس لأبطال المسلمين أن يفروا ، وإن زاد عدد الكفار على الضعف ، إذا غلب الظن في الغلبة ، وللمسلمين أن يفروا ، وإن لم يزد عدد الكفار على الضعف إذا استشعروا من أنفسهم الضعف . وهذا الترتيب غير مستحب ، والأولى أن نقول : ليس لأبطال المسلمين الفرار من الكفار ، وإن زادوا على الضعف إذا غلب على الظن غلبةُ المسلمين . وهل للمسلمين الفرار إذا قابلهم أبطال الكفار ، وغلب على الظن غلبتهم ، ولم يزيدوا على الضعف ؟ فعلى الخلاف المقدّم . 11336 - ومما يتصل بذلك أن الكفار لو لاقَوْا المسلمين وليس مع المسلمين سلاح ، والكفار شاكون وعددهم غير زائد على الضعف ، فإن لم يكن في موضع الالتقاء حجارة ، جاز الفرار ، وإن كان في الملتقى حجارة ، فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه : أحدها - أنه لا يجوز الفرار ، ويجب مقاومتهم بالحجارة . والثاني - يجوز الفرار ؛ فإن الحجارة لا تقابل السيوف البواتر والرماح . ومنهم من قال : إن كانت معهم مقاليع ، لزمهم المصابرة ، وإن لم يكن ، جاز الفرار . [ و ] ( 1 ) هذا التردد خارج عندي على الأصل المقدّم ، وذلك أن المسلمين إذا عدموا الأسلحة والكفار شاكون في السلاح ، فالغالب غلبة الكفار ، والغالب أن الأحجار لا تقابل [ الحديد ] ( 2 ) ، فهذا يخرج على القاعدة المقدمة .

--> ( 1 ) زيادة من المحقق . ( 2 ) في الأصل : " بالحديد " .