عبد الملك الجويني

426

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإذا تمهد ذلك ، بان منه أن المستأجَر على الجهاد لا يستحق على مستأجره أجر المثل ، كما لا يستحق عليه الأجرة المسماة ؛ فإن الجهاد يقع عن الأجير ، فاستحال أن يستحق على عمله الذي وقع له أجرة على غيره . 11310 - فإن قيل : هل للسلطان أن يستأجر من المسلمين من أراد استئجاره ، ثم يعطيه الأجرة من سهم المصالح ؟ قلنا : هذا ما اضطرب فيه أصحابنا ، فصار صائرون إلى جواز ذلك ، وهو الذي ذكره الصيدلاني ، وصرّح به ، ومهّده أصلاً ، وفرّع عليه . ونحن ذكرناه أيضاً في قَسْم الفيء والغنائم ، وأطلقناه ولم نفصله . وذكر القاضي أن الاستئجار الذي ذكره الأصحاب من جهة السلطان ليس استئجاراً على الحقيقة ، فإن الجهاد يقع على المجاهد ، وما يصرف إليه من حق بيت المال ، فهو حق المستحِق له إذا تصدى للجهاد ، وعَدِمَ تمامَ الأهبة والزاد ، وهذا الذي ذكره القاضي هو القياس الذي لا يجوز غيره . وإذا جمع الجامع ما ذكرناه الآن ، وما قررناه في أول كتاب الصداق ، انتظم له من المجموع كلام تام . 11311 - قال الشافعي : " ومن ظهر منه تخذيلٌ للمؤمنين . . . إلى آخره " ( 1 ) . يحرم على الإمام أن يستصحب متخذِّلاً ، وهو الذي يحسّر القلوب ، ويلقي الأراجيف ، ويصرف قلوب المقاتلة عن القتال ، وشرُّ مثل هذا الرجل ليس بالهين ؛ فإن النفوس مائلة على وفق الطباع ، فيخشى أن يُتَّبع ، ثم إذا حضر المخذل بنفسه ، ردّه الإمام ، فإن اتفق حضوره ، وهو مشهور بالتخذيل ، فقائلٌ : لم يستحق سهماً ولا رضخاً ، ولو قتل قتيلاً من الكفار ، لم يستحق سَلَبَه ، فإنه ممنوع عن حضوره ، فلا يستحق بحضوره ، ولا بما يستحقه في حضوره شيئاً . فإن قيل : قد ردّد الشافعي قوله في الفرس الضعيف الأعجف الرَّزَاح ( 2 ) ، وإن استحقاق سهم الفارس هل يتعلق

--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 181 . ( 2 ) الرزاح : من رزح البعير يرزح رُزاحاً ، ضعف ، ولصق بالأرض من الإعياء أو الهزال ، فهو رزاح ( المعجم ) .