عبد الملك الجويني

423

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو أذن الأبوان ، ثم رجعا وهو في الطريق ، ولكن عسر الرجوع عليه لمخاوف يمتنع العبور عليها من غير جمعٍ واستعداد ، فالرجوع غير ممكن ، ولكن إذا عسر الرجوع ، فيمتد إلى الجهاد ويُتم الغرضَ عازماً على أن ينقلب مع الجند إذا انقلبوا ، أم يمكث حيث انتهى إليه ؟ الوجه أن نقول : إن عسر المكث كما عسر الرجوع ، فلا طريق إلا أن ينبعث مع الجند ، ثم يرجع برجوعهم ، وإن أمكنه أن يتعلق بقرية ويمكث فيها إلى أن يرجع أصحابُه ، فيتعيّن ذلك ؛ فإن نهيه تضمن أمرين أحدهما - ترك التحرك إلى الجهاد ، والثاني - الإقبال على الرجوع ، فإذا تعذر الرجوع ، فالوجه ترك المسير في جهة الجهاد ، فإن ذلك ممكن . 11306 - ومن الأعذار الطارئة المرض ، فإذا طرأ قبل الوقوف ، جاز الرجوع ، وإن طرأ في أثناء الجهاد ، فإن كان الرجوع يورث انفلالاً واختلالاً في الجند ، فلا يجوز أن يرجع أصلاً ، وإن خاف الموت والهلاك . وإن كان لا يخاف انفلالاً ، ففي جواز الرجوع وجهان ، ولا يجري هاهنا إلا منع الرجوع أو جواز الرجوع ، فأما وجوب الرجوع ، فلا ينقدح ، بخلاف ما قدّمناه في مسألة رجوع الأبوين . 11307 - ثم تكلم أصحابنا في ملابسة فروض الكفايات . ونحن نأتي بمجموع كلامهم ، وننزله على [ مدارك ] ( 1 ) الصواب . فأما من لابس الحرب ولا عذر ، وهو من أهل القيام بفرض الكفاية ، فلا يجوز أن ينصرف من غير عذر ، سواء كان في انصرافه خرمٌ أو لم يكن . هذا ما اتفق أصحابنا عليه ، وأطلقوا أقوالهم بأن الجهاد يصير متعيناً بملابسة الحرب على من هو من أهل فرض الكفاية ، وإن فرض عذرٌ وخيف انفلالٌ ، فلا سبيل إلى الرجوع . فإن ثبت عذر يمتنع به الخروج ، ولا خيفة ، ففي الرجوع بعد الملابسة التردد الذي حكيناه . وأما ملابسة العِلْم مع إيناس الرشد ، فقد حكينا عن طوائفَ من الفقهاء أنه يمتنع الانكفاف . وأوضحنا أنه غلط ، وليس العلم في حكم الخصلة الواحدة التي يفرض التلبس بها ، فلا ينتهي الأمر إذاً فيه إلى التعيّن بسبب الملابسة . نعم قد يتعين على

--> ( 1 ) في الأصل : " تدارك " .