عبد الملك الجويني
413
نهاية المطلب في دراية المذهب
على حركة من هو أبعد منهم ؛ فإن بلوغ الخبر يوجب انزعاجهم ( 1 ) ؛ إذ انزعاج من وراءهم مغيّب ، وبقاء الكفار مستولين على ديار الإسلام - في لحظةٍ - عظيمةٌ في الإسلام . وكل ما ذكرناه فيه إذا بلغ الخبر من على مسافة القصر ، ولم يكن في أهل الناحية كفاية . 11293 - فأما إذا كان فيهم كفاية ، وقد شمروا ، فالذي ذهب إليه المحققون أنا لا نلزمهم أن ينزعجوا ؛ فإنهم على البعد من الناحية ، وفي أهل الناحية كفاية . وهذا ما قطع به القاضي وكل منتسب إلى التحقيق ؛ إذ لو لم نقل هذا ، للزمنا أن نقول : إذا انتشر الخبر إلى أقاصي الخِطة ، توجه على أهل الإسلام قاطبة أن يتحركوا ، وهذا بعيد ( 2 ) . وذهب طوائف من أئمتنا إلى أنه يجب على الذين بعدوا أن يتحركوا ، ويصيرُ أهلُ الإسلام في هذا بمثابة أهل الناحية ، ثم ينتهض الأقرب ، فالأقرب لا محالة ، والخبر على هذا الترتيب ينتشر ، ثم إذا انزعج الذين يبلغهم الخبر ، [ فلا يزالون عليها ولا يتهاونون ] ( 3 ) إلى أن يلقاهم خبر الكفاية ( 4 ) ، وهذا التدريج في الوقوع يحقق الاستبعاد الذي ذكره المحققون .
--> ( 1 ) انزعاجهم : المراد الخروج من مدنهم وقراهم على أهبة القتال والاستعداد ، وهذا هو ما نسميه الآن التعبئة العامة . ( 2 ) عبر الغزالي عن هذا المعنى ، أو قل : اختصر هذه العبارة بقوله : " واختار المحققون أنه لا يلزمهم ( الانزعاج ) ؛ لأن الأمر يطول فيه ، ويتداعى إلى جلاء كافة الخلق عن الأوطان " ( ر . البسيط : 5 / 153 شمال ) . ( 3 ) في الأصل : " فلا يزالون عندها ولا يدانون " . ولم أهتد لوجهها ، وما فيها من تصحيف إن كان . ومعنى ما أثبته : أنهم لا يزالون على الأهبة والاستعداد منتهضين . ( 4 ) الكفاية : المراد بها هنا كفاية الله شرّ الكافرين المغيرين وردّهم عن ديار الإسلام . ويؤكد صحة هذا المعنى عبارة الرافعي ، حيث يقول : " والوجه الثاني : يجب على الأقربين ، فالأقربين ، بلا ضبط ، حتى يصل الخبر بأنهم قد كُفُّوا وأخرجوا " ( ر . الشرح الكبير : 11 / 367 ) وما قاله النووي أكثر وضوحاً ؛ إذ قال : " الثاني - يجب على الأقربين فالأقربين بلا ضبط ، حتى يصل الخبر بأنهم قد دفعوا وأخرجوا " ( ر . الروضة : 10 / 215 ) .