عبد الملك الجويني
414
نهاية المطلب في دراية المذهب
11294 - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك أن أصحاب التحقيق قالوا في الذين يقربون من الناحية : يكفي فيهم اعتبار الزاد ؛ إذ لا استقلال إلا به ، والمركوب لا معوّل عليه في السفر القصير سيما في المهم العظيم ، فأما من يبعد عن الناحية ، فقد قال هؤلاء : يعتبر في حقهم الزادُ والمركوبُ [ كالحج ، وفيه وجه أنه لا يعتبر ، وليس كالحج ] ( 1 ) ، فإن الحج على التراخي ، والأمر فيه أهون ، وهذا الذي نحن فيه اجتمع فيه التعيين كما ذكرناه ، ووجوب البدار ، ورجوع الأمر إلى بيضة الإسلام . وقد ذهب ذاهبون من العلماء كمالكٍ ( 2 ) وغيره إلى أن المركوب ليس شرطاً في سفر الحج ، فلا يبعد أن يُعْتَبر في هذا السفر ما اعتبره مالك في سفر الحج . التفريع : مَنْ شَرَطَ المركوبَ ، فلا يخفى تفريع مذهبه ، ومن لم يشترط المركوب ، فقد ذكر بعض المصنفين وجهين في أنا هل نشترط الزاد أم نقول : [ يخرجون ] ( 3 ) إلى أن يفرّج الله تعالى ، ولو هلكوا لِعَدمِ الزاد ، فإلى الهلاك مصيرهم ، وأجرهم على الله تعالى . وهذا عندنا بعيد ؛ فإن الاستقلال بغير زاد غير ممكن ، وليس في أمرهم بالنهوض مع بعد المسافة إلا هلاكهم من غير فائدة تعود إلى المسلمين . فقد انتظم هذا الفصل موضحاً كما ينبغي ، وانكشف ما فيه من عماية وإشكال . 11295 - ونحن نلحق بهذا المنتهى شيئين : أحدهما - أن الكفار لو أسروا جمعاً من المسلمين ، فهل يجب أن نزحف إليهم ، كما نفعل ذلك لو وطئوا طرفاً من بلاد
--> ( 1 ) ما بين المعقفين زيادة اقتضاها السياق ، وهي موجودة في عبارة الغزالي ، ونصها : " وأما المركوب ، فلا يعتبر في حق من دون مسافة القصر ، وفيمن وراءه وجهان : أحدهما - أنه يعتبر كما في الحج ، والثاني - أنه لا يعتبر ، فإن أمر الحج أهون ، وهو على التراخي ، وهذا أعظم " ( ر . البسيط : 5 / ورقة : 154 يمين ) . ( 2 ) ر . الإشراف للقاضي عبد الوهاب : 1 / 457 مسألة 706 ، عيون المجالس : 2 / 765 مسألة 493 ، حاشية الدسوقي : 2 / 6 . ( 3 ) في الأصل : " يرجعون " ولعل المعنى : يخرجون معتمدين في خروجهم على فرج الله . وقد صاغ الغزالي هذه العبارة قائلاً : " ومنهم من قال : لا يشترط الزاد ، فليتوكل على الله ، وهذا بعيد ؛ فإنه إهلاك من غير فائدة " ( السابق نفسه ) .