عبد الملك الجويني

393

نهاية المطلب في دراية المذهب

على التشوف إليها ، حتى لم [ يحوَج ] ( 1 ) حملةُ الشريعة على استحثاث [ أهل ] ( 2 ) الدنيا على عمارتها ، وتهيئة ما فيها من أسباب المكاسب . وقال المحققون : لو فرض انكفاف الخلق عنها ، لحَرِجوا من حيث إنهم يكونون ساعين في إهلاك أنفسهم . والمناكح من الأمور الكلية ، وبها بقاء النوع ، فلا حاجة إلى الاستحثاث عليها ؛ فإن النفوس مجبولة على التشوف إليها . 11272 - ثم إذا تبين أصل الغرض في الدعوتين ( 3 ) ، فبعدهما أمور كلية تتعلق بالإدامة والإبقاء ، وهذا ينقسم : إلى مصالح الأبدان ، وإلى مصالح الأديان . فأما مصالح الأديان بعد ظهور الإسلام في الخِطة ، فيتبعها فنٌّ يترجم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو كتابٌ برأسه لم يهتم به الفقهاء ، وبسَطَ مضمونَه الأصوليون ، والحاوي لمقاصد هذا الكتاب ( 4 ) : الأمر بواجبات الشرع ، والنهي عن محرّماته . وذلك شطران : يتعلق أحدهما بالولاية ، وهي الأمور القهرية ، وأحكام الإمامة . ولا نطمع في الوفاء بها . والشطر الآخر هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير مكاوحة وشهر سلاح ، فهذا على الناس كافة ، إذا علموا صدَرَ ( 5 ) أقوالهم عن ثبت ، ولا يشترط أن يكون القائم بذلك مجتهداً ؛ إذ يتعلق بالولاة أمر العلماء ونهيهم ( 6 ) ، وإذا زاغوا ،

--> ( 1 ) في الأصل : " يحرج " . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ومعنى العبارة : أن الله فطر العباد على التشوف للتملك ، والكسب ، وإصلاح المعايش ، فلم يَحْتج علماء الشريعة وحملتها إلى جهدٍ في حث أهل الدنيا على عمارتها ، والسعي في ابتكاراتهم وسائل وطرق الارتزاق والمكاسب ، فكان في هذا الاستحثاث الفطري مندوحة عن فرض ذلك وإيجابه عينياً : أي فرض عين ، فكان من فروض الكفايات . ( 4 ) الدعوتين : المراد ما يتعلق بمصالح الدين ، ومصالح الدنيا ، وليس الدعوتين المشار إليهما آنفاً : الدعوة الحجاجية ، والدعوة القهرية . ( 5 ) أي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ( 6 ) صدر : أي صدور ، كما أشرنا مراراً من قبل . ( 6 ) المعنى أن العلماء يأمرون الولاة ، وينهونهم ، ويبيّنون لهم ، وهم يرتسمون أمر العلماء في =