عبد الملك الجويني
382
نهاية المطلب في دراية المذهب
غير معتاد ، فليس كذلك إذاً . وقد يعتاد التسييب في المواشي الممتنعة من صغار السباع كالإبل والبقر والخيل ، وقد تسيب الأغنام حيث لا ذئاب ولا سباع ، ففي مثل ذلك نقول : لا تفريط على المسيب . فإذا اندفع السؤال يتكرر التصوير ، فلو صوّر مصوّر التسييب في الأغنام تضييعاً ، ففي هذا نظر ، فإن التضييع - إن كان ( 1 ) - آيل إلى الأغنام ، فلا يُعد هذا عدواناً على المزارع ، ولا أُبعد أن يفصل الفاصل بين أن تتسيب في مواتٍ بعيدةً عن المزارع ، ثم يتفق انتشارها إلى أطراف المزارع ، وبين أن يرسلَها في أطراف المزارع . فإن فعل ذلك من غير راعٍ ، فإنها تنتشر ، ويعد مثل ذلك تسبُّباً إلى إفساد الزرع . ومن اتخذ الخبر معتبره ، لم يلتفت على هذه التفاصيل . 11261 - والمذهب الصحيح اتباع المعنى ، وتنزيل الخبر على ما وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه ، وإذا كنا نتبع المعنى ، فيبعد كلَّ البعد ألا ينسب أرباب المواشي إلى التفريط إذا أرسلوها في إيتاء ( 2 ) الزروع ، وتركوها غيرَ مرعية ؛ فإن هذا على القطع يخالف العادة ، والوجه أن تبعد عن المزارع ، ثم قد تتسيب إذا لم تكن في مشابع ومواضع يتوقع ضياعها ، وأرباب الزرع يحفظون أطراف الزرع حتى لا تنعكس عليها المواشي المسيبة . ومما ذكره المفصلون المتبعون للمعنى : أن البساتين إذا كانت عليها أغلاقها ، وأبوابها ، أو كانت الزروع في محوطات على هذه الصفة ، فالعادة جارية بردّ الأبواب ، والاستيثاق بالأغلاق ، فلو ترك أربابُ البساتين الأبوابَ مفتوحةً بالليالي ، فانتشرت فيها المواشي ، فقد قال الأصحاب : لا ضمان ؛ تعويلاً على تفريط ملاك البساتين ، ومعنى تفريطهم خروجُهم عن العادة ، وتركُهم الاحتياط مع سهولة اعتياده . فإن قيل : فقد فرط أرباب المواشي في إرسالها أيضاً . قلنا : نعم . ولكن تضييع البساتين مستقلٌّ في إسقاط الضمان ، ولا نظر بعد هذا إلى تفريط ملاك المواشي . ثم
--> ( 1 ) كان هنا تامة . والمعنى - كما هو واضح - إن وجد التضييع . ( 2 ) إيتاء : من آتى الزرع إيتاءً : إذا ظهر ثمره وكثر حمله . ( المعجم ) .