عبد الملك الجويني
381
نهاية المطلب في دراية المذهب
بالليل ، فهو ضامن على أهلها : معناه فهو مضمون على أهلها . وهو كقولهم : سرٌّ كاتم . أي مكتوم . ثم قال الأصحاب : إذا تمهد المقصود ، واعتضد بخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فالرجوع فيما يكون تقصيراً من كل جانبٍ إلى العادات ، والعادة الغالبة أن المواشي تسرح نهاراً في المراعي ، وأرباب الزرع يحفظون زرعهم بالنواطير والحفظة المترتبين . ثم إن أرباب المواشي يردّدون مواشيهم إلى مرابضها ، ولا يتركونها تنتشر ليلاً ، فإن هي انتشرت ، فالتفريط معزيٌّ ( 1 ) إلى ملاكها ، ويلزمهم الضمان ، حتى قال الأصحاب : إن كان العادة في بعض الأقطار على العكس من ذلك ، فكانت المواشي ترسل ليلاً لترعى ، وتربط نهاراً ، والزروع تحفظ ليلاً ، فالأمر ينعكس . والمتبع التفريط ، كما ذكرناه . هذا أصل المذهب . وحكى الشيخ أبو علي قولاً : أنا نتخذ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجوعنا ، فلا نعدل عنه ، ولا ننظر إلى اختلاف عادات البلاد ، فكل ما يقع نهاراً ، فلا ضمان على ملاك البهائم ، وكل ما يقع ليلاً ، فعليهم الضمان ؛ فإن تتبع العادات عسير ، فالوجه البناء على غالبها ، وترك المبالاة بما يندر . 11260 - ومما يتصل بما نحن فيه أن قائلاً لو قال : إن المواشي ، وإن كانت ترسل نهاراً ؛ فإنها لا تخلو عن راعٍ مراعٍ لها ، ولا تسيّب من غير مراقبة ، وإذا كان كذلك ، فمن يرعاها يجب أن يكلأها ، وقد تتسع المزارع حتى يعسر حفظها بالنواطير ، وحفظ المواشي بالرعاة أقربُ في حكم الاعتياد . وهذا متجه إن راعينا العادة ، والوجه فيه أن نقول : هذا قول من لم يُحط بوضع الفصل ، فإنا قلنا : مضمون الباب قسمان : أحدهما - في بهائم مسيبة لا حافظ معها ، والآخر - فيه إذا كان معها من يكلؤها . فإذأ فرض الفارض مواشٍ عليها راعٍ مالكاً كان أو أجيراً ، فلا خلاف أن ما تُتلفه يجب الضمان فيه ، على ما سنشرحه في القسم الثاني ، إن شاء الله تعالى . فإذاً هذا القسم في بهائمَ لا راعي معها . فإن قيل تسييبها
--> ( 1 ) معزي : الفعل واوي ويائي : تقول : معزوّ ومعزي .