عبد الملك الجويني
377
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهذه الصورة إذا ضمت إلى الأولى انتظم منهما ثلاثة أوجه : أحدها - جواز القصد ، والثاني - منع القصد مطلقاً ، وإن لم ينته النظر إلى حرم ، والثالث - الفصل بين أن يكون في الدار حرم ، وبين ألا يكون . 11254 - ثم إذا نظر الناظر حيث يجوز قصد عينه ، فلا فرق بين أن يكون وقوفه في الشارع ، أو في سكة منسدّة ، أو يكونَ في ملكه الخالص ، يعني ملك الناظر ؛ فإن الجناية المردودة هي النظر ، والنظر إذا امتدّ لم يختلف الأمر باختلاف موقف الناظر ، ولا اعتذار له إذا ترك بصره منسرحاً إلى حرم غيره ، بأن يقول : إني واقفٌ في ملكي ، فيقال : فانظر إلى ملكك ، وغُضَّ بصرك عن حرم الناس . 11255 - ثم ما صار إليه الأئمة في الطرق أن النظر إذا استجمع الشرائط التي ذكرناها ، فيجوز قصدُ عين الناظر من غير تقديم إنذار ، وفي الخبر ما يدلّ على ذلك ؛ فإنا روينا أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاتل الناظر يرمي ( 1 ) عينه بالمدرى ؛ وفيه طرف من المعنى يليق بتمهيد الأصول ، وهو أن الغرض من جواز قصد العين المنعُ من النظر ، فإذا كان المنظور إليه يقدّم النذير ، فينتحي الناظر ، ثم يعود وقد قضى وطره من النظر بالنظرة الأولى . وقال القاضي : الذي أراه أنه ينذره ، ويزجره عن النظر أولاً ، ويجب ذلك ، فإن لم ينزجر ، قصدَ عينَه حينئذٍ . وهذا عند القاضي خارج على قياس الدفع ؛ فإنه مبني على التدريج ، والبداية بالأهون ، فالأهون . وهذا الذي ذكره ، وإن كان منقاساً ، فليست المسألة مدارة على القياس ، وإنما المتبع الأخبار ، ولا تفصيل فيها ، بل في بعضها ما يدل على جواز القصد من غير تقديم إنذار كما قدّمناه . قال صاحب التقريب في غير النظر : كل من قصد أمراً يسوغ دفعه عنه ، فهل يجب على المصول عليه أن يقدم إنذاره أم يبتدئ الدفعَ فعلاً ؟ من غير تقديم إنذار بالقول ؟
--> ( 1 ) في الأصل : " له من " والتصويب من نص الحديث .