عبد الملك الجويني
378
نهاية المطلب في دراية المذهب
قال : هذا عندي مخرج على استتابة المرتد ، وقد ذكرنا قولين في وجوب استتابة المرتد . وهذا الذي ذكره مما انفرد به ، ولا بد فيه من تفصيل . وأما الأصحاب ، أطلقوا ( 1 ) أقوالهم بأن الدفع إن أمكن بالقول ، فلا معدل عنه إلى الفعل ، ثم التمسك في الأفعال بالأيسر ، فالأيسر ؛ فالوجه أن نقول : [ التعويل ] ( 2 ) على الذي يكون تخويفاً أو زعقة على الصائل ، إن أمكن الدفع به ، فلا يجوز أن يكون في وجوب البداية به خلاف ، والذي ذكره صاحب التقريب هو إنذارٌ لا يكون دفعاً في نفسه ، ولكنه من قبيل موعظة أو ما يقرب منه ، فانتظم إذاً في الإنذار في غير مسألة النظر كلام لصاحب التقريب ، كما ذكرناه ، وإن لم نوجب الإنذار في غير النظر ، لم نوجبه في النظر ، وإن أوجبناه في غير النظر ، ففي وجوبه في النظر تردّد للأصحاب على ما حكينا طريقةَ الأئمة ، واختيار القاضي . ثم مما يليق بتمام ذلك أنا إن لم نوجب الإنذار في سائر وجوه الدفع ، فلا كلام . وإن أوجبناه ، فتَرَكَه ، وقَتَلَ الصائلَ ، ضمنه ، بترك تدريج الدفع ، وليس كما إذا أوجبنا استتابةَ المرتدّ ، فلم يستتب ، وابتدر مبتدرٌ ، فقتله ؛ فإن الضمان لا يجب ؛ من جهة أن الردة مُهدرة ، وهي واقعةٌ ، فجرّت الاستتابةَ ثَمَّ بعد الإهدار . 11256 - ثم قال الأئمة : إذا جوزنا قصْدَ عينِ الناظر ، فيجب ألا يزاد على ما يقصد بمثله العين ، كبندقة أو حصاة خفيفة . وأما إذا رشقه المنظور إليه بنشابة ، فهذا قتلٌ ، وليس قصدَ عين ، ولا شك في تعلّق القود والضمانِ به . نعم . لو كان لا يتأتى منه قصد عينه ، وكان لا ينزجر عن نظره ، فإنه يستغيث ( 3 ) عليه ، ويقطع نظره عن نفسه ، فإن أبى ، فحينئذٍ [ يدفع عن نفسه ] ( 4 ) ، ولا يتألّى ( 5 ) بأن يأتي الدفع عليه .
--> ( 1 ) جواب أما بدون الفاء ، وهو سائغ عند الكوفيين ، وعليه جرى إمام الحرمين كثيراً ، كما أشرنا من قبل مراراً . ( 2 ) في الأصل : " القول " . والمثبت تصرف من المحقق . ( 3 ) يستغيث عليه : أي يطلب الغوث . ( 4 ) في الأصل : " يدفع عنه " . ( 5 ) ولا يتألّى : أي لا يتحرّى ويجتهد أن يقتله . ( المعجم ) .