عبد الملك الجويني

345

نهاية المطلب في دراية المذهب

القصاص على الحرّ ، فهل يضمن الجلاّد ؛ من حيث إنه خالف اعتقاد نفسه ؟ ذكر العراقيون في ذلك وجهين : أحدهما - أنه يلزمه الضمان ، اعتباراً بعقده ، وكونِه مختاراً . والثاني - لا يلزمه اعتباراً باعتقاد الإمام . ثم قالوا : إذا علّقنا الضمان بفعل الجلاّد ، فهو قصاص ؛ فإنه قتل حُرّاً بغير حق على موجَب عقده ، وصار كما لو فعل ذلك من غير أمر الإمام . وإن قلنا : الحكم لاعتقاد الإمام ، فلا شيء على الجلاد أصلاً ، وكان لا يبعد لو درأ القصاص وأثبت المال ( 1 ) والكفارة . ولكن الذي ذكروه هذا . 11222 - وهذا التردد ينتج كلاماً ، وهو أن الجلاّد هل له أن يخالف عقدَ نفسه ، ويتبع عقد الإمام ؟ فعلى وجهين . فإنا قلنا : لا ضمان عليه مع كونه مختاراً ، فهو مبني على أن له أن يُقدم عليه ، ولهذا نظائر : منها أن يقضي القاضي الحنفي للشافعي بشفعة الجوار ، أو بالتوريث بالرحم والرّد ، فهل يحل للمقضي له ما يجرى القضاء به ؟ فيه اختلاف ، رمزنا إليه فيما تقدّم ، وسنذكر أصله وحقيقته في آداب القضاء ، إن شاء الله عز وجل . وامتثال الجلاد أمر الإمام فيما نحن فيه أَوْجَه ، وإن كان يخالف عقده ، لأن أمر الإمام مطاعٌ ممتثل ، وحقه أن يُتّبع ، وإقامة العقوبات ليست حقَّ الجلاّد ، وإنما هو فيها متابع متَّبِع ، والمقضي له بالشفعة على خِيَرته في ترك حق نفسه ، وكان الوجه ألا يحلّ له ما يجرى القضاء به إذا خالف عقده ، فإن القضاء لا يغير أحكام البواطن ، وهذا ظاهر في الفرق . والوجه عندنا القطع بأنه لا يحلّ للشافعي أن يأخذ ما يخالف معتقده ، ورَدُّ الخلافِ إلى أنه هل يمنع من ذلك ظاهراً ؟ فيقال : إن دعواك هذه باطلة ، بمخالفتها عقدك ؟ ويجوز أن يقال : لا يتعرض له في ظاهر الأمر ، لجواز أن يكون منتحلاً هذا المذهب . فأما ذكر الخلاف في الاستحلال باطناً ، فبعيد ، والتردد الذي ذكرناه في الجلاد متجه لما أشرنا إليه من الاتباع ومعاونتِه على ما يريد إمضاءه موافقاً لعقده .

--> ( 1 ) المال : المراد الدية .