عبد الملك الجويني
346
نهاية المطلب في دراية المذهب
11223 - ثم صوّر العراقيون صورة على عكس ما تقدّم ، فقالوا : لو كان الإمام لا يعتقد وجوب القصاص على الحر بقتل العبد ، ولكنه أمر بقتله بغير فحصٍ وتجسيس ، ولو اطلع ، لمنع قتله ، وكان الجلاد يعتقد أن الحرّ مقتولٌ بالعبد ، فإذا قتله على موجب عقد نفسه . قالوا : إن قلنا في المسألة الأولى : إنا نعتبر رأي الإمام ، ففي هذه المسألة يجب القصاص ، اعتباراً برأي الإمام ، فإنه لو اعترف ( 1 ) حقيقةَ الحال ، لما أمر بالقتل ، والجلاّد عارف إن لم يكن الإمام عارفاً ، وقد فرّط لما لم يُخبر الإمامَ ، فصار كأنه قتل بنفسه من غير إذنٍ من الإمام . وإن قلنا في المسألة المتقدمة : إن الاعتبار بعقد الجلاد ، ففي هذه المسألة احتمال [ عدم إيجاب القصاص ] ( 2 ) على الجلاد ؛ تعويلاً على عقده ، وقد وجد الأمر من الإمام على الجملة . وهذا الوجه عندي ضعيف في هذه الصورة ؛ فإن الجلاد مختارٌ عالم بحقيقة الحال والإمام لو أُخبر ، لما أمر ، فلا يبقى لأمر الإمام هاهنا أثر الاستتباع ، والسبب فيه أن الإمام لا يفوِّض إليه الاجتهاد ، وإنما استعمله للعمل فحسب ، فإذا امتنع عمله بعقده ، واقترن بأمر الإمام جهله بحقيقة الحال ، صار الجلاّد مستقلاً بالقتل . ثم لو أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم ، فتابعه الجلاد ، فعليه الضمان ( 3 ) . وهذا على القطع فيه إذا كان الإمام مُكرِهاً ، والجلاد محمولاً مكرهاً ، ثم يخرج فيه تفاصيل الإكراه . فأما إذا كان الجلاد مختاراً ، فلا يتوجه الضمان على الإمام قطعاً ، وهذا لا خفاء به . وعلى هذا الوجه فصّله الأصحاب ، والصيدلاني ، وهو مما لا يتمارى فيه .
--> ( 1 ) اعترف القومَ استخبرهم وعرف حقيقتهم ( المعجم ) . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) أي على الإمام .