عبد الملك الجويني

344

نهاية المطلب في دراية المذهب

المكرهين . فقد تأسس الشرعُ على أن الجلاد لا ينتاط به غرمٌ ولا طِلْبَة ، وأمرُه من النوادر ؛ فإنه قاتلٌ مباشر مختار ، لا يتعلّق به في القتل بغير حق حكم ، والكفارة من أسرع أمرٍ يثبت في القتل ، ولا كفارة على الجلاّد . ثم ينشأ من هذا أن الإمام إذا ظلم ، وأمر بالقتل من غير إكراه ، فالقصاص واجب عليه ، فإنا إذا أقمنا الجلاد سيفاً ، فالإمام في حكم الضارب به ، ويترتب على هذا الأصل أن الجلاد ليس عليه بحث ، وإنما عليه انتظار المراسم والابتدار إليها ؛ إذ لو تعيّن عليه ذلك ، لما تولى الأمرَ إلا ذو نظر . وذلك يطول . ثم ما ذكرناه في الإمام الحق . فإن فرض متغلبٌ في الدهر ، وشغورُ الزمان عن الإمام ، فالقول في ذلك يطول ، وقد نرى تعليق الأحكام بالمتغلّب ، وهذا عمرةُ ( 1 ) أحكام الإيالة ، وقد فرّعنا أبوابها في الكتاب المترجم ( بالغياثي ) . 11221 - ولو علم الجلادُ أن القتل ظلم إجماعاً ، وهو مختار ، فإذا قتل ، التزم القصاص ، فإنه إنما يؤجر بالامتثال فيما يعلم كونَه حقاً ، أو فيما يعتقده حقاً ، وهو يتبع فيه رأي الإمام تقليداً ، فأما إذا علم أن القتل ظلم ، فلا يحل له الإقدام ، ولا إكراهَ حتى يُخرَّجَ فعلُه على تردّد العلماء ، وإذا كان كذلك ، فلا ضمان على الآمر ؛ فإن أمره حيث صوّرنا ليس إجباراً ، والمباشرة تامة ، فلا أثر للسبب معها . ولو قتل الجلاّدُ رجلاً ، ثم قال : كنت أعتقد تحريم قتله ، ولكني قلتُ : لعل الإمامَ اعتقد تحليله على رأي بعض العلماء ، وتصوير ذلك أن حُرّاً لو قتل عبداً ، فقتله الجلاّد بأمر الإمام ، وهو يعتقد أن الحرّ لا يقتل بالعبد ، والإمام كان يرى وجوب

--> ( 1 ) عمرة أحكام الإيالة : بالعين المهملة : أي تاج أحكام الإيالة ورأسها ، وأُسّها ، فالعمرة كل شيء على الرأس من عمامة ونحوها ، والفاصلة بين حبات العقد . ( المعجم ) وهذا اللفظ يجري على لسان الإمام كثيراً . أما إذا قرأناها : غمرة . بالمعجمة ، فمعناها واضح ، وهي الشدة والمضطرب والمتاهة ، أي دقائق أحكام الإيالة وأخطرها التي تحتاج إلى اتئاد وكد فكر وإعمال نظر .