عبد الملك الجويني
341
نهاية المطلب في دراية المذهب
11217 - فأما إذا بحث عن أحوال الشهود ، ولم يظهر منه تقصير ، ثم بان الشهود عبيداً ، أو كفرة ، أو مراهقين ، فلا شك في وجوب الضمان ، ثم يعود القولان في أن الضمان يتعلق بعاقلة الإمام المختصين به ، أم يتعلّق ببيت المال ، وقد تقدم التوجيه والتفريع . والذي نزيده أن الأئمة قالوا : إذا جرى الغرم ، ثبت الرجوع على الذين تصدَّوا للشهادة ، والسبب فيه أنهم تعرّضوا لمنصب ليسوا من أهله ، حتى جرّ ذلك قتلاً أو إتلافَ مال ، ونحن نقول : من ليس من أهل الشهادة ، وعلم ذلك من نفسه ، فليس له أن يتعرّض لإقامة الشهادة ، وإن كان صادقاً ، فهذا سبب الرجوع ، [ وأشبه أصلٍ بما نحن فيه ] ( 1 ) الغرم الذي يثبت على المغرور في قيمة الولد مع ثبوت حق الرجوع على الغارّ ، ولعلّ الشاهد أقوى في هذا المعنى ، لأنها ( 2 ) تحمل القاضي حمل اضطرار ، والمغرور مستبيح لا ضرورة به . هذا هو المذهب الظاهر . 11218 - وذكر بعض المحققين وجهاً آخر أنه لا رجوع على الشهود ، وذلك أن القاضي أُتي من تقصيرٍ خفي في البحث ، فارتبط الضمان بجهته وانحصر ، وليس كالغار والمغرور ، وذلك أن المغرور لا يُلزمه الشرعُ بحثاً ، بل له الجريان على ظاهر الحال ، والشرع يُلزم القاضي التناهي في البحث ، فإذا وقع ذلك ، كان محمولاً على ترك البحث ، فإن لم نُثبت الرجوعَ ، فلا كلام . وإن أثبتنا الرجوعَ ، نُظر : فإن كان الشاهد كافراً ، فالرجوع عليه بيّن ، ويرجع على الكافرَيْن اللذَيْن شهدا في الحال ، وإن بان الشاهدان عبدين ، والتفريع على إثبات الرجوع ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - أن الرجوع به يتعلق بذمّة العبدين يُتبعان به إذا عَتَقا . والوجه الثاني - أن المرجوع به يتعلق برقابهم ؛ فإن هذا غرمٌ يلزمهما عن جهة معاملة صَدَرُها عن رضا من له الحق ، وإنما يتعلق بذمة العبد ديون المعاملات الصادرة عن رضا أصحاب الحقوق من غير إذنٍ من السيد ، والشهادة بهذه المثابة .
--> ( 1 ) في الأصل : " وأشبه فيه أصل مما نحن فيه " . ( 2 ) لأنها : أي الشهادة .