عبد الملك الجويني

256

نهاية المطلب في دراية المذهب

فيها ، ومن يتعاطى النبش ظاهرٌ غير مستتر ، وينضم إلى ذلك مهابة المدافن في النفوس . وإن كان القبر منبوذاً في مضيعة ، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن الكفن ضائع غيرُ محرز ، وسمعت شيخي يحكي وجهاً أنه محرز ، وكنت أستبعده حتى رأيته مختاراً للقاضي ، واستمسك فيه بما لا يليق بقدره ، فإنه قال : لا يعد الكفن مُضَيَّعاً ، وهذا الذي ذكره ليس لصون الكفن ، وإنما هو لضرورة الحال ، وأشار إلى استشعار المهابة من القبور ولا ثبات لمثل هذا . فهذا منتهى الكلام فيما يحرز من القبور ، وفيما لا يعد محرزاً . 11122 - فإن قيل : لو وضع في القبر شيء من جنس الكفن ، فهل يكون محرزاً ؟ قلنا : إن كان في بيت فبلى ( 1 ) ، وإن كان معرضاً للبلى . وإن كان في مقبرة صونُها باللحظ والطروق ، فالمذهب أنه ليس محرزاً ؛ رجوعاً إلى العادة ؛ فإن الأكفان اجتمع فيها ضرورة الدفن ، ومسيسُ الحاجة ، والصونُ بالطارقين ، فلا يمتنع في حكمة الشرع التغليظ على النباش تحقيقاً للصون ، وهذا لا يتحقق حيث لا ضرورة . وحكم بعض الأصحاب بكون المدفون في القبر محرزاً إذا كان من جنس الكفن ، وهو بعيد لا تعويل عليه . وإن فرض إسرافٌ في الكفن ، نظر : فإن كان من جهة الزيادة على الأعداد المرعيّة في الرياط ( 2 ) ، فالزائد ليس محرزاً على الرأي الظاهر ، والاحتساب في الأعداد المرعية بما يلي الميت إلى الانتهاء إلى الحد المعتبر في الكمال . وإن كان الإسراف من حيث القيمة ، ونفاسة الثوب ، فقد قال الأصحاب : يجب

--> ( 1 ) فبَلَى : بمعنى : فنعم ، وهو جائز ، وعليه شواهد من حديث البخاري ، وقد قدمنا هذا البحث من قبل . والمعنى هنا : إن كان القبر في بيت ، فالثوب محرز ، وإن كان معرضاً للبلى . ( 2 ) رياط : جمع ريطة ، وهي الملاءة : قطعة من القماش ، وليست لِفْقَين ( المصباح والمعجم ) .