عبد الملك الجويني
212
نهاية المطلب في دراية المذهب
موضع النظر : يجوز أن يقال : السلطان أولى لمكان الولاية العامة ، وإقامة الحدود هي أخص آثار الولايات ، وقد قال الشافعي : " إذا اجتمع في دار رجلٍ مالكُ الدار والسلطانُ ، وقامت الصلاة ، فالسلطان أولى بالإمامة من مالك الدار " لأن أصل الجماعات مما جرى الرسم بكلام الولاة فيها ، وإن كان لا يتوقف تصحيحها على رأيهم ، فإذا كان كذلك ، فالحدود بما ذكرناه أولى . ويجوز أن يقال : المالك أولى بإقامة الحدود ؛ لأنها تتعلق باستصلاح ملكه ، فكان أولى منه ، ولا يمتنع أن يقال : المالك أولى بالجلد والسلطان بالقتلِ ، والقطعِ ؛ فإن إعمال الأسلحة وسفك الدماء حقه ارتباطه بمن إليه الأمر ، فإن أقام الشرعَ السيدُ به ، فهو في حكم النائب للإمام ، والتبعِ له . فإذا فرض النزاع ، فالوالي أولى بما يليق بمنصبه . 11078 - ثم عقد الشافعي باباً في حدّ الذميين ( 1 ) ، ومضمونه أنهم إذا ترافعوا إلينا ، ورضوا بحكمنا ، فيجوز القضاء عليهم ، وفي الوجوب قولان تقدَّم ذكرهما في أبواب النكاح ، وسيعود تفريعهما في أدب القضاء ، إن شاء الله تعالى . وقصة اليهوديين ، إذ رضيا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حد الزنى مشهورة ( 2 ) . وإذا ارتفع إلى مجلس الحاكم من الذميين من كان شرب الخمر ورضي بحكم الإسلام ، فظاهر المذهب أنه لا يقام عليه الحد ؛ لأن المقصود من الحد الزجر ، والمرتفع إلينا مستبيحٌ للخمر ، غيرُ مغيِّرٍ لعقده ، فلا معنى لزجره ، على أنا منهيون عن تتبعهم ، مأمورون بمتاركتهم ( 3 ) ، والإعراضِ عن البحث عن أحوالهم . فإن قيل : أليس نص الشافعي على أن الحنفي يحد إذا شرب النبيذ ، وإن كان مستبيحَه ؟ قلنا : إنما قال ذلك ، لقطعه بأن في شرب النبيذ من المحذور ما في شرب
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 167 . ( 2 ) حديث رجم اليهوديين متفق عليه من حديث ابن عمر ( البخاري : الحدود ، باب الرجم في البلاط ، ح 6819 ، مسلم : الحدود ، باب رجم اليهود ، ح 1699 ) . ( 3 ) ت 4 : " بمناكرتهم " .