عبد الملك الجويني
162
نهاية المطلب في دراية المذهب
وقد نجز الكلام فيمن تثبت الردة بقوله ( 1 ) . 11024 - ولا حاجة إلى تفصيل القول فيما يكون ردة من الأقوال ، وإنما يغمض الكلام في تكفير المتأولين من أهل البدع ، وليس ذلك من فن الفقه . ونحن نقول بعد هذا : الأفعال إذا دلت على الكفر ، كانت كالأقوال ، وذلك إذا رأينا من كنا نعرفه مسلماً في بيت الأصنام وهو يتواضع لها تواضع العبادة ، فهذه عبادة ( 2 ) كفر . وقد يُجري الأصوليون الأفعالَ المتضمنة استهانةً عظيمة مجرى عبادة الأصنام ، كطرح المصحف في الأماكن القذرة ، وما في معناه . والقول في ذلك يطول ، وهو من صناعة الأصول . وفي بعض التعاليق عن الأمام شيخي : أن الفعل المجرد لا يكون كفراً ، وهذا زلل من المعلِّق ، أوردته للتنبيه على الغلط فيه ( 3 ) . 11025 - وسبيلنا بعد ذلك أن نتكلم في التوبة على ( 4 ) الردة ، فنقول : أولاً التوبة مقبولة عن كل كفرٍ ، وتقبل توبة الزنديق ، ومن كان يُظهر مذهب الباطنية ، وإن كان يبوح بوجوب التقيّة ، وما يظهره من التوبة يمكن تنزيله على قاعدة التقية ، ولكن
--> ( 1 ) ت 4 : " بوجهه " . ( 2 ) ت 4 : فهذا كفر . ( 3 ) ذكر الإمام هذه القضية في كتابه ( البرهان في أصول الفقه ) حينما أورد ما حُكي عن أبي هاشم الجبائي من " أنه كان لا يرى السجود للصنم محرّماً ، وإنما المحرم القصد " وأنكر نسبة هذا إليه ، وأنه لم يجده في مصنفاته مع طول بحثه عنه ، ثم قال : والذي ذكره من نقل مذهبه : أن السجود لا تختلف صفته ، وإنما المحظور المحرم القصد ، وهذا يوجب ألا يقع السجود طاعة ، من جهة تصور وقوعه مقصوداً على وجه التقرب إلى الصنم . ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قُرَباً ، وهذا خروج عن دين الأمة ، ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأموراً به مع قصدٍ منهياً عنه مع نقيضه . ( ر . البرهان : 1 / فقرة : 213 ) . ( 4 ) كذا في النسختين : ( على ) . وهو صحيح ، إذ تأتي على بمعنى ( عن ) قاله ابن هشام في المغني ، واستشهد له بقول الشاعر : في ليلة لا نرى بها أحداً . . . يحكي علينا إلا كواكبُها أي لا يحكي عنا إلا كواكبها . ( ر . مغني اللبيب : 191 ) .