عبد الملك الجويني

163

نهاية المطلب في دراية المذهب

مذهب الشافعي أن توبة الزنادقة والباطنية مقبولة ، ولا يبقى بعد الحكم بإسلام الكفار تحت السيف لمفصِّل رأيٌ في التفصيل ، مع أن الظاهر القريب من اليقين أن الكفار لم يحدثوا اعتقاد الحق ، [ إذ يغشاهم ] ( 1 ) المسلمون . وكذلك من ارتد إلى دين اليهود أو النصارى ، ثم عصبناه لنضرب رقبته ، فتاب ، فتوبته مقبولة ، والظاهر أنه جاء بها لِما استشعره من الخوف ، وقد روي أن أسامة أشرف على جمع من الكفار في العُدّة التامة ، فأسلم واحد منهم لما سلّ السيف عليه ، فقتله أسامة ؛ فاشتد نكير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة ؛ فقال : إنما قاله فرقاً مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هلا شققت عن قلبه ؟ " ( 2 ) . وقال مالك ( 3 ) : توبة الزنديق مردودة ، وأضاف الأصحاب هذا إلى الأستاذ أبي إسحاق رضي الله عنهما ، والصحيح عندنا من مذهبه : أن الزنديق إن حُمل على التوبة ، فتوبته مردودة . وإن رأيناه في استخلائه يظهر تخضُّعاً للإسلام وتعظيماً له وتندماً عما كان تقدم منه من انتحال ( 4 ) الزندقة ، وتبين بقرائن الأحوال ، والأمر كذلك أنه لا غرض له ، إلا الرجوع إلى المسلك الحق ، فالتوبة مقبولة على هذا الوجه إذا اطلعنا عليه منه . وهذا التفصيل حسن ؛ فإنه لو رُدّ رجوع الزنديق من كل وجه ، فلا يبقى له طريق إلى الرجوع . وليس يمتنع أن يظهر الحقُّ لزنديق ، كما لا يمتنع أن يتزندق مسلم . ومذهب الشافعي قبول توبة الزنديق وإن كان مجبراً عليها اعتباراً بتوبة كل مرتد ، فلو ارتد المسلم ، ثم عاد ، ثم ارتد مرة أخرى ؛ فمذهب الشافعي وأصحابه قبول

--> ( 1 ) في الأصل : ويغشاهم . ( 2 ) حديث " هلا شققت عن قلبه " متفق عليه من حديث أسامة بن زيد ( البخاري : المغازي ، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحُرَقات من جهينة ، ح 4269 ، والديات ، باب قول الله تعالى : ( ومن أصابها . . . ) ، ح 6478 ، مسلم : الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ، ح 96 ) . ( 3 ) ر . الإشراف للقاضي عبد الوهاب : 2 / 846 مسألة 1646 ، عيون المجالس : 5 / 2081 ، مسألة : 1502 ، القوانين الفقهية : 357 ، الكافي : 585 ، المعونة : 3 / 1363 . ( 4 ) ت 4 : الأعمال .