عبد الملك الجويني
148
نهاية المطلب في دراية المذهب
بنا ، وهؤلاء حسبنا أنهم الفئة المحقة ، وقالوا : ظننا أنهم استعانوا بنا في مقاتلة الكفار ، وما حسبناكم مسلمين ، فهذا موضع الخلاف المشهور : قال قائلون من أئمتنا : نصدّقهم إذا احتمل ما قالوه ، ونعاملهم معاملة البغاة ، فنقتلهم مقبلين ولا نقتلهم مدبرين ، ونُبلغهم المأمن ، وهذا هو الظاهر . ومن أصحابنا من قال : نقتلهم حيث ثقفناهم ، ومجرد ظنون الكفار لا يؤمّنهم ، وقد ذكرنا أنه لا أمان على أهل العدل . هذا كلامنا ( 1 ) في استعانة أهل البغاة بالكفار الحربيين . 11010 - فأما إذا استعانوا بجماعة من أهل الذمة ، فإن قالوا : قد علمنا حقيقة الحال ، ولم نرد بالقتال إلا أن ننال منكم [ ونستأصلَ ] ( 2 ) شأفتكم ، فينتقض العهد بهذا ، ويُقتلون مدبرين ومقبلين ، وتُغنم أموالهم ، ولا يُبْلَغون المأمن ، ولا يضمّنون ما أصابوا ؛ فإنهم أهل حربٍ . وإن قالوا : ظننا أنه يحل لنا مقاتلتكم ، وذكروا حالةً يمكن صدقهم فيها ، فللأصحاب في هذا تردد : أولاً - قالوا : إن ادّعَوْا أنهم كانوا مكرهين على حضور المعركة ، فلا نحكم بانتقاض عهدهم ، ونقاتلهم مقاتلةَ البغاة : مقبلين غير مدبرين ، وإن لم يدَّعوا الإكراه ، وزعموا أنا اتبعنا هذه الفئة على علم ، ولم نخرج عن متابعة المسلمين كلهم ، فحاصل ما ذكره الأئمة في ذلك يستدعي تقديم أصولٍ . وهذا فصل ألحقه معظم الأصحاب بالظواهر ، وفيه تشعيث ( 3 ) وغوص في أعماق الفقه ، لا يتأتى الانتهاء إليه من غير تمهيد أصول ، وتفصيل فصول ، [ فنقول ] ( 4 ) : الكلام فيما يوجب نقض عهود أهل الذمة يأتي مستقصىً في كتاب الجزية ، إن شاء الله تعالى ، ونحن نذكر من ذلك المقدارَ الذي تَمَس إليه حاجتنا في بيان ما يختص بهذا الكتاب :
--> ( 1 ) ت 4 : " كلام " . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) ت 4 : " تشعيب " . ( 4 ) في الأصل : " فيعود " .