عبد الملك الجويني
140
نهاية المطلب في دراية المذهب
وتنفيذُ القضاء ، والأحكامِ التي قدمنا ذكرها يتبع الشوكةَ والتأويلَ . وإجراءُ الخلاف في ضمان ما يُتلَف في حالة القتل يتبع الشوكة المحضة ، فإذا لم تكن شوكة ، قطعنا بالضمان مع التأويل ، وعليه استشهدنا بقتل ابن ملجم علياً . ومن أبدى من آحاد الناس طعناً في الإمام ، عُزِّر على قدر سوء أدبه ، وإن شبب بذلك ولم يَبُح ، فهل يعزّر ؟ اختلف أصحابنا في المسألة : فمنهم من قال : للإمام أن يعزره إذا أدى اجتهاده إليه ، حسماً للمادة وردّاً لأوائل الأمور ، والدليل عليه أنه يحرم عليه أن يشبب ، وإذا حرم عليه ، ساغ منعه ( 1 ) . ومن أصحابنا من قال : لا يعزره ما لم يصرح ، واستدل بما روي " أن رجلاً قال وعليٌّ في الصلاة : لا حكم إلا لله ولرسوله " ( 2 ) وشبب بإسقاط طاعة عليّ رضي الله عنه ، فلما تحلل عن صلاته ، قال : " كلمة حق أريد بها باطل " ولم يعزره . وأما الخوارج إذا أظهروا آراءهم ، وأكفروا الإمام وأتباعَه ، فإن لم يكن لهم منعة ، فالكلام فيهم ، وفي أهل الأهواء ليس بالهيّن ، وهو من أعظم [ أركان ] ( 3 ) الإيالة الكبيرة ، ولعلنا نجمع فيها قولاً ، وإن نابذوا الإمام ، فقد اختلف أصحابنا فيهم : فمنهم من جعلهم كأهل الردة ، ومعناه أنا لا نقيم لما استمسكوا به من عقدهم وزناً ، ولا نقول : إنهم متعلقون بتأويل حتى تَنفُذَ أحكامُهم ، كما تنفُذ أحكامُ البغاة ، وهذا هو الأصح . ومنهم من جعل ما تعلقوا به بمثابة تأويل البغاة ، وهذا ساقطٌ لا أصل له ؛ فإن فساد عقدهم كفساد عقود أهل الردة ، وإن كنا لا نكفرهم على الرأي الظاهر . وقد انتجز ما أردنا أن نصدّر الكتاب به من التوطئة وتمهيد الأصول .
--> ( 1 ) ت 4 : " أمره " . ( 2 ) خبر " أن رجلاً قال وعليٌّ في الصلاة لا حكم إلا لله ولرسوله . . . " رواه مسلم ، وابن أبي شيبة ، والبيهقي ( مسلم : الزكاة ، باب التحريض على قتل الخوارج ، ح 1066 ، مصنف ابن أبي شيبة : ح 19776 ، السنن الكبرى : 8 / 184 ) ورواه الشافعي بلاغاً ( الأم : 6 / 217 ) . وانظر التلخيص : 4 / 85 رقم 1998 . ( 3 ) ساقطة من الأصل .