عبد الملك الجويني
121
نهاية المطلب في دراية المذهب
لمن يطلبه أن يميز بينه وبين المعجزات ؟ ( 1 اختلف أصحابنا : فمنهم من قال : يكره تعلمه ، وفي الدين شغل يلهي عن مثل ذلك ، وفي الإحاطة بحقائق المعجزات 1 ) ما يغني عن تعلّم السحر . ومنهم من قال : لا يكره ، كما لا يكره تعلم مذاهب الكفرة للرد عليهم ، وقد يبغي المتعلم بتعلم السحر درءَ ضرار عن نفسه . ثم انتهى الشافعي رضي الله عنه في إثبات السحر ، والحكم بكونه حقاً إلى تعليق القصاص به ، فقال : إذا زعم زاعم أنه سحر رجلاً ، وذكر أن ( 2 ) سِحْره يقتلُ لا محالة ، أو يؤدي إلى القتل غالباً ، فهذا إقرار منه بما يوجب القصاص ، فيتوجه القصاص عليه وإن قال : قد سحرته ومات من سحري ، ولكن سحري لا يقتل غالباً ، واتفق الهلاك منه ، فهذا اعتراف منه بشبهة العمد ، والدية لا تضرب على عاقلته ، إلا أن يقروا بما أقر به . وإن زعم أنه أخطأ من اسم إلى اسم ، فهذا اعتراف منه بالخطأ ، والقول كما ذكرناه . والفرق بين القسمين التغليظ والتخفيف في الدية . هذا مذهب الأصحاب . وتبين مما ذكرناه أن لا سبيل إلى إثبات السحر القاتل ببينة ؛ فإنه لا مُطلع عليه إلا من جهة الساحر ، فلا يتلقى ثبوته إلا من إقرار الساحر . وهذا قانون المذهب . وحكى العراقيون عن أبي جعفر الإستراباذي ( 3 ) قال : السحر تخييل لا أصل له ،
--> ( 1 ) ما بين القوسين سقط من ( ت 4 ) . ( 2 ) عبارة ( ت 4 ) : " وذكر أنه زعم أنه سحره بقتل لا محالة " . ( 3 ) في ( ت 4 ) : أبو جعفر الترمذي ، وفي نسخة الأصل صوّبت من أبي جعفر الترمذي إلى أبي جعفر الإستراباذي ، وهذا هو الصواب ؛ فهو صاحب هذه المسألة ، وعُرف بها ، حكاها عنه من ترجم له كالإسنوي ، وابن قاضي شهبة ، وابن الملقن ، ونسبها إليه صاحب المهذب ، وصاحب التهذيب ، والرافعي في الشرح الكبير ، والنووي في الروضة ، وقال ابن قاضي شهبة في طبقاته : " حكاها الإمام عن رواية العراقيين عن أبي جعفر الترمذي " . وقد تابع الغزالي في الوسيط الإمامَ فنسبها لأبي جعفر الترمذي . ولا يُدرى هل صُحِّفت في نسخ النهاية ، أم وهم من نقلها من العراقيين وأخذها عنه الإمام ، والله أعلم بما كان . =