عبد الملك الجويني
572
نهاية المطلب في دراية المذهب
أصحاب البوادي ولباسهم خشن ، وطعامهم [ خشن ] ( 1 ) ولو فرض حط العبيد عن ملابسهم ومطاعمهم انتهى الأمر إلى الضرر ، وقد ذكرنا أن الإضرار بالمملوك غيرُ سائغ . وأما الحاضرة وأصحاب النعمة والترفّه ، فمن ملابسهم الخُزُوز الفائقة ، ورقيقُ الكتان والحرائر ، فيلبسن نفائسَ الديباج ، فلا نكلف هذه الطبقة أن يُلبسوا عبيدهم من جنس ما يلبسون ( 2 ) . وكذلك قد يعتاد هؤلاء أطايبَ الأطعمة [ وصدورَ الدجاج ] ( 3 ) ونفائسَ الحلاوات [ فلا نكلّفهم ] ( 4 ) أن يُطعموا عبيدهم من هذه الأجناس . ثم أخذ رضي الله عنه في الكلام على الحديث ( 5 ) المشتمل على [ إجلاس ] ( 6 ) العبد وإطعامه لقمة مُروَّغة ، وقد روينا الحديث ، ومعناه مفهوم ، قال الشافعي رضي الله عنه : وهذا أولاً مخصوص بالذي يتولى إصلاح الطعام ويُصادِمُ حرَّ النار ودخانَها ، فإذا هيأ الطعام ، فمقتضى الحديث الأمرُ بإجلاسه ليأكل مع المولى ، وفيه أن ترويغ لقمة وتسليمَها إليه يُغني عن إجلاسه ، ثم تردد ، فقال : يجوز أن يكون الأمر محمولاً على الوجوب ويجوز أن يكون استحباباً محمولاً على مكارم الأخلاق . وإذا كانت القاعدة على الكفاية ، ودفع الضرر ، واجتناب الإهانة ، فما يجريه الشارع زائداً على هذا فيظهر أن الغرض الحثُّ على وطأة الخُلُق والاستكانة ، واجتناب استعلاء الملاك . ثم ذكر رضي الله عنه على تقدير حمل الأمر على الوجوب شيئين : أحدهما - أن الواجب أن يخصص بلقمة ، هذا القدر هو المحتوم ، وإن أجلسه ، فهو أفضل ،
--> ( 1 ) غير مقروءة في الأصل . ( 2 ) كذا بنون النسوة ، ولا يعجز من تعاطَى علمَ النحو عن تقديرٍ وتخريج . ( 3 ) في الأصل : وصدور الترجح ( انظر صورتها ) والمثبت من صفوة المذهب . ( 4 ) في الأصل : ولا نكلفهم . ( 5 ) ر . المختصر : 5 / 89 ، 90 . ( 6 ) في الأصل : أجناس .