عبد الملك الجويني

548

نهاية المطلب في دراية المذهب

ثم من قال : يسكنها الأب حيث يشاء يخصّص ذلك بالأب ، والجدُّ في معنى الأب ؛ فإنه يجبر على النكاح إجبار الأب . فأما من عدا الأب والجد ، فلا يملكون الاحتكام على البكر البالغة الرشيدة ، فإن نوبة الحضانة قد انتهت ، [ وليس ] ( 1 ) لهم إجبارُها على النكاح ، فهي بمثابة الثيب في حقوقهم . ولا خلاف أن الثيب إذا كانت مأمونة ، فلا اعتراض للأب ولا لغيره [ من ] ( 2 ) العصبات عليها . وإن كانت المرأة بحيث تُزَنّ بريبةٍ ( 3 ) ، فللأب والجد ، ومن سواهما من عصبات النسب أن يحضنوها في مسكنٍ يسهل عليهم مراقبتها فيه ، وإنما أثبتنا لهم ذلك ، حتى لا يلحقهم العار ، وقد جوزنا لهؤلاء الاعتراض على نكاحها ، إذا زوجها بعضُ الأولياء [ ممّن ] ( 4 ) لا يكافئها . ولو ادّعى الولي ريبة ، فإن أظهرها ، فله الاحتكام ، وإن عجز عن إظهارها ، فهذا فيه بعض النظر ، فإن الرِّيب قد تخفى حتى لا يدركها إلا من تبطّن من أهل القرابة ، ولا يمتنع ألاّ يكلفَ من له حق الاعتراض أن يُظهر الريبة ، وقد يكون وجه الرأي في الإخفاء ؛ حتى لا تشاع فاحشة على المرأة . هذا وجهٌ من الرأي ، في الثيب والبكرِ في حق غير الأب والجد . ويعترض على هذا أنه يُفضي إلى تمليك الولي الاحتكام على المرأة المستقلّة من غير حجة وإظهارِ موجِبٍ ومقتضٍ ، والعلم عند الله تعالى .

--> ( 1 ) في الأصل : وليت . ( 2 ) في الأصل : في . ( 3 ) تُزنّ بريبةٍ : أي تتهم بسوء ، من قولهم : زنَّ فلاناً زنّاً : اتهمه بسوء أو غيره ( المعجم ) . ونشير هنا إلى أن إمام الحرمين متأثر في عبارته بشعر حسان رضي الله عنه في مدح عائشة أم المؤمنين المبرّأة رضي الله عنها حيث قال : " حصانٌ رزانٌ ما تُزَنّ بريبةٍ " مما يشهد للإمام بالإحاطة بدواوين اللغة والأدب . ( 4 ) في الأصل : فمن .