عبد الملك الجويني

506

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإن زعمت أن عاداتها مضطربة ، وكانت لا تعرف أقل عاداتها ، فهي محمولة على أقل ما يتصور انقضاء الأقراء فيه ، ولا تستحق النفقة إلا لأقلِّ زمنٍ يُتصور انقضاء عدتها فيه ؛ فإن هذا القدرَ هو المستيقن ، ولا متعلّق معنا من عادتها ، حتى نتخذه أصلاً مرجوعاً إليه . ولو كانت تعرف أقل عاداتها ، وكان ذلك أكثرَ من الأقل الذي وصفناه ، فقد قال الأصحاب : ليس لها إلا نفقةُ أقلِّ عاداتها ، ويحتمل أن يقال : إذا كانت عاداتها مستقيمة ، ولم تدّع أن الأقراء جرت على حسب العادة التي ألفتها قديماً ، بل ادعت الجهالة ، فليس لها إلا نفقة أقل الأزمان ؛ فإن هذا هو المستيقن ، وهي ما ادعت مزيداً ، فتُصَدَّق ، وليست الأدوار وإن تكررت بعيدة عن الزيادة والنقصان ، وهذا الوجه يجري إذا كانت عاداتها مختلفة ، وكانت تعرف أقلّها ، فيتجه أن لا نوجب لها إلا الأقلَّ الذي لا أقل منه ؛ لأنها لم تدع ، بل ردّدت قولها ، وليس النقصان ولا الزيادة مستنكَرَيْن في أدوار الحيض والطهر . هذا فقه الفصل وبيانُ مراد الشافعي ، وتفصيل الأصحاب على سَنَن الصواب . 10176 - وأما المزني ، فإنه ظن أن الشافعي صور المسألة فيه إذا ادعت المرأة أن أقراءها [ انقضت ] ( 1 ) في زمان ذكرته ، ثم قال : لا تُصَدّقُ فيه . فأخذ يعترض قائلاً : إنهن مؤتمنات في أرحامهن ، فكيف لم نصدقها ، واستشهد بالرجعة عند فرض التنازع في انقضاء العدة في كلامٍ يطول ( 2 ) ، ولا حاصل لما جاء به ؛ فإن اعتراضه غير واقع على تصوير الشافعي ، فإنه رضي الله عنه صوّر الكلام فيه إذا لم تدع المرأة مدةً ، وأبهمت قولَها ، ثم تفصيل المذهب في اضطراب عاداتها واستقامتها كما ذكرناه . فأما إذا ادعت المرأة وقوع أقرائها في زمن ذكرته ، فهي مصدّقة مع يمينها ، لا خلاف فيه . هذا بيان مقصود الفصل .

--> ( 1 ) في الأصل : نقصت . ( 2 ) ما رأيناه في مختصر المزني إشارة عابرة إلى المسألة ، وليس " كلاماً يطول " فهل ذكره المزني في جامعه الكبير مثلاً ، أم في غيره ( ر . المختصر : 5 / 80 ) لترى إشارة المزني الموجزة جداً .