عبد الملك الجويني

497

نهاية المطلب في دراية المذهب

ويؤول الكلام إلى الرجوع والاسترداد عند تبيُّن الأمر . ولسنا ننكر - مع هذا التكلّف - أن الأصح تعجيلُ النفقة . وفيه دقيقةٌ سيأتي التفريع عليها - إن شاء الله - وإذا انتهينا إليها ، نبّهنا على بديعةٍ هي سر المذهب . التفريع على القولين : 10166 - إن قلنا : يجب تعجيلُ الإنفاق ، فإن أنفق ، لم يخل : إما أن يَبِينَ أنها حامل ، وإما أن يَبِين أن ما بها ريحٌ [ قد نَفَشت ] ( 1 ) . فإن بان أنها حامل : فقد وقعت النفقة موقعها ، ويجب على الناظر أن يعلم أنا لا نوجب استفتاح الإنفاق ما لم تشهد نسوةٌ من ذوات الخبرة على كونها حاملاً ، وإنما خصصناهن بالذكر لمسيس الحاجة إلى الاطلاع على ما لا يظهر إلا في وقت الحاجة من النساء ، ولا ننكر إحاطة الرجال بذلك . فلو جئن وقلن : إنها حامل ، وهن أثبات ، فذاك ، وإن قلن : لا سبيل إلى القطع بذلك ، ولكن توافت علاماتُه ، فهل يثبت الحمل بهذا أم لا ؟ هذا فيه تردد عندي : يجوز أن يقال : لا بد وأن يَجْزِمْن إقامةً لمراسم الشهادات المقامة في مفاصل الخصومات ، وهذا كما أن الشهود يجزمون شهاداتهم بالملك ، وإن كانوا على القطع لا يستندون إلى ما يقتضي العلمَ ، ولو أبدَوْا ترددَهم ، بطلت شهادتهم ، فلتكن شهادات النسوة على الحمل بهذه المثابة . ويجوز أن يقال : إذا أخبرن بحقيقة الحال ، كفى ذلك ، وهذا يمكن تقريبه مما ذكر من أن الحمل هل يعلم ؟ حتى تكون فائدة هذا أنا هل نكلّف الشهود [ الألفاظ ] ( 2 ) المشعرة بالعلم أم يكتفى بما يدل على الظنون الغالبة ، ومن يكتفي بما يدل على الظنون الغالبة يستشهد بشهادة العدل الرضا الذي هو من أهل مخالطة الرجل على الإعسار ، فإنه لو قال : خبرت ظاهره وباطنه ، فظهر لي إعساره ، ولا أعلم له مالاً ، فقد يُكتفى

--> ( 1 ) في الأصل : فرا نفشت . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق ، وساعد عليها معنى كلام ابن أبي عصرون .