عبد الملك الجويني

496

نهاية المطلب في دراية المذهب

التعجيلَ ، قال : النكاح منبتٌّ ، ولقد كان سبباً لإيجاب النفقة ، فزال ، ولم يتحقق الحملُ ، والأصل براءةُ الذمة ، فلا وجه للمصير إلى تنجيز النفقة إيجاباً . ومن نصر القول الثاني ، وهو الأصح ، بل حُكم أصل الشافعي القطعُ بإيجاب التعجيل ؛ فإنه تلقى وجوبَ النفقة من ظاهر القرآن ، وقد قال عز من قائل : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [ الطلاق : 6 ] ، فصرّح الخطابُ باستفتاح الإنفاق وامتداده إلى وضع الحمل ، ومن أخر الإنفاق ، فهو في حكم المخالف لنص القرآن ، وهذا المسلك في التمسك بظاهر القرآن يضاهي تعلُّقَنا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الدية المغلّظة : [ إذ قال ] ( 1 ) : " وأربعون خلفة في بطونها أولادها " فاقتضى فحوى قول المصطفى الحكمَ بتقدير الأجنة في بطون الأمهات إذا ظهرت العلامات ، فكان الحمل في هذا في حكم المعلوم المقطوع به . ويتأيد هذا القولُ بمسلكٍ آخر عليه ابتناءُ النفقات ، وهو أنها لو أُخرت النفقة عنها قد تتضرّر ، وقد يُفضي الأمر إلى الإجهاض ، فلا يليق بمحاسن الشريعة تجويزُ تأخير الإنفاق ، والغرض من الإنفاق تربية الحمل . فإن قيل : هذا الذي ذكرتموه من التعلق بالقرآن والمعنى مرتفعٌ عن درجة الظنون ؛ فأي متعلَّقٍ يبقى للقول الآخر ؟ قلنا : لعل ذلك القائل يجعل فحوى الخطاب في الكتاب لتقدير مدةِ النفقة لا للتعجيل ، وليس هذا كقوله عليه السلام في الديات : " الأربعون خلفة " ؛ فإنه قال : " في بطونها أولادها " فإن الأولاد إذا انفصلت ، وصارت فُصلاناً وأَحْوِرة ( 2 ) ، فليست هي خَلِفات ، وليس في بطونها أولادها ، فلا يتطرق إلى ذلك إمكان التأويل ، ولو انفصلت أولادُها واستُحِقت تابعةً ، [ لزاد ] ( 3 ) العدد على المائة بخلاف ما نحن فيه . وأما إفضاء تأخير الإنفاق إلى إهلاك الجنين ، فليس بذاك ؛ فإنها ستنفق من مال نفسها ، وإن لم تجد ، لم تضِع في وضع الشرع ،

--> ( 1 ) في الأصل : أن قال . ( 2 ) الفصلان والأحورة : جمع فصيل وجمع حُوار ، وهما من أسماء الإبل في أول عمرها . ثم هي في الأصل ( أجورة ) . ( 3 ) في الأصل : أراد العدد .