عبد الملك الجويني

495

نهاية المطلب في دراية المذهب

وهذا ليس أمراً نتكلفه ، ولكنه تصرف في لُباب مذهب الشافعي واقتصاصٌ لآثاره في بناء مسائل الباب على الآية ، وبها صدّر أولَ مسائل الباب . وقد نجز بهذا المسلكان الموعودان في الترجمة والمباحثة [ ورَدُّ ] ( 1 ) المسائل إلى قواعدها . 10165 - ونحن بعد ذلك نذكر قاعدةً تلتحق بالأصول ، وتقع تتمةً لها ، ونذكر ما يتصل بها ، ثم نختتم الكلام بمسائلَ بعضها منصوصة ، وبعضها نجريها فروعاً ، فنقول : إذا أوجبنا النفقة للحامل : إما في جمورة القطع ، وإما على أحد القولين في صور الخلاف ، فقد أطلق الأئمة وراء ذلك قولين في أنا هل نوجب تعجيل النفقة إذا ظهرت أمارات الحمل ، أم نقول : لا يجب تعجيلُها ، ونتوقفُ ، وقد يكون ما نتخيله ريحاً فتنفُشُ ، فإن وضعت الحملَ ، أوجبنا حينئذ نفقةَ زمان الحمل ؟ أحد القولين - أنه يجب التعجيل ، والقول الثاني - أنه لا يجب التعجيل ، وبنى الأصحاب هذين القولين على قولين اشتهر ذكرهما في أن الحمل هل يُعرف ؟ وقالوا : إن قلنا : الحمل لا يعرف ، فلا يجب التعجيل ، وإن قلنا : الحمل يعرف ، فيجب التعجيل في الحال . وهذا عندي اكتفاء بظاهرٍ من غير تشوّفٍ إلى درْك حقيقة ؛ فإن القول لا يختلف في أن الحمل لا يُقطع به ، ولا ينكر أحدٌ كونَه مظنوناً ، ثم لا ينكرون أن الظنون تتفاوت : فهي على حدٍّ في أوائل العلامات ، وإذا توافت ، ورَبَا البطنُ ، وانضم إلى الرّبُوّ اختلاجُ المولود ، فهذا يكاد يقرب من اليقين ، فكيف يسوغ إطلاق القول بأن الحمل [ هل ] ( 2 ) يعرف ؟ نعم ، إذا بدت العلامات ، فقد نقطع في بعض الأحكام بتقدير الحمل ، وقد نتردد في بعضها ، ومواضع القطع تتميّز عن مواضع التردد بطرق فقهية ، وقد ألحق الأصحاب هذا الحكم الذي فيه نتكلم بمواضعِ التردد . ونحن نُجري ما ذكره الأصحاب بطريق توجيه القولين ، فنقول : من لم يوجب

--> ( 1 ) في الأصل : ويردّ . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق .