عبد الملك الجويني

441

نهاية المطلب في دراية المذهب

هذا القدر ، ولم يردّوا الأمرَ إلى العادة ، ونحن نعلم أن الفقير الذي نفقته في اليوم مدٌّ [ يكفي ] ( 1 ) مسكنَه فرشٌ يستر أبنيةً أو بناء واحداً ( 2 ) . ثم لم يرَوْا اعتبار هذا في حق الغني ، [ وردّدوا ] ( 3 ) الخلاف في الزِّلّية ، وتوسعوا في الكُسوة ، وحملوا نص الشافعي حيث ذكر ليّن البصرة في حق الغني على عادة زمانه ، وأثبتوا في عادات زماننا الخز والحرير . وهذا في ظاهره تناقض منهم ، تبيّن به أن الوجه اتباع ما لا بد منه ، وما عداه تجملٌ وزينة لا يتعلق الاستحقاق به ، ويمكن أن يقال : ما اعتبره الشافعي من ليّن البصرة على الغني لم يثبته زينةً ، وإنما أُثبت إمتاعاً بالثوب الذي يلين حسّه ولا تتأثر البشرة به ، وهذا ما أردنا التنبيه عليه . 10107 - والمسكن في النكاح لا بد منه ، ثم رأيت للأصحاب في أبواب العِدد عند ذكرهم مسكن النكاح أنه يُسكنها مسكناً يليق بها ، فاعتبروا في ذلك جانبها ، ولم يعتبروا في جنس القوت جانبها ، وإنما اعتبروا فقر الزوج وغناه ، كما قدمناه . وقد يعترض في هذا سؤالٌ من جهة أن المرأة وإن كانت رفيعة المنصب والزوج يحصرها وحدها أو مع خادمة في الدار ، وله أن يمنع أهليها من مداخلتها ، وقد نوجب على الفقير أن يُخدِم زوجتَه ، واتساعُ المسكن إنما تمس الحاجة إليه لكثرة الساكنين ، فما وجه ذلك والطرق متفقة على أن المساكن تختلف باختلاف أقدار الزوجات ؟ والأصل في هذا أن الكبيرة المنصب إذا كانت ألفت مسكناً فسيحاً ينسرح الطرف فيه ، فلو رُدّت إلى حجيرة منخفضةِ السقوف ضيقةِ الأبنية ، كان ذلك بالغاً في الإضرار بها ، وهذا واضح في العادات ، ولذلك أطبق أهل المروءات على التباهي بالمساكن وارتياد

--> = ما يسمّيه أهل مصر ( السجّاد ) يطلقون عليه ( الزَّلّ ) بفتح الزاي ، وهو ما يفرش من البسط بأنواعه وأشكاله . ( 1 ) في الأصل : ففي . ( 2 ) كذا . ولعل المعني بالبناء الحجرة . ( 3 ) في الأصل : وردّوا .