عبد الملك الجويني
393
نهاية المطلب في دراية المذهب
فالرضعات خمس ، ولتعدد الأشخاص أثرٌ في الحكم بتعدد ما يصدر منهم ، كما للاتحاد أثرٌ في الإيجار . هذا ظاهر المذهب . ومن أصحابنا من قال : إذا تواصلت الأزمنة ، لم يثبت العدد وحكمُه . فإن فرعنا على الوجه الأظهر ، فالكلام كما تقدم . وإن فرعنا على أن ما صدر منهن لا يثبت له حكم العدد ، فلو أرضعت واحدة منهن الصغيرة أربعَ رضعات بعد ما تقدم منها ، فهل تثبت الحرمة ؟ فعلى وجهين ؟ أحدهما - أنها لا تثبت ؛ فإنا إذا لم نحكم بعدد الرضعات ، فكأن الصادر منهن في حكم الرضعة ، وهي مفضوضة على جماعتهن تقديراً ، ويلزم من ذلك نسبة بعض رضعة إلى كل واحدة ، والواحد لا بعض له ، فالوجه [ إحباط ] ( 1 ) تلك الرضعات ، والمصيرُ إلى أنها وإن وقعت كأنها لم تقع ، وكذلك لو تكررت الرضعات منهن على هذه الصفة مراراً عدة ، فالجواب كما قدمنا ذكره . هذا وجه وقد ذكرنا لهذا نظيراً في صورة تقدمت من كلام العراقيين . والوجه الثاني - أن الواحدة منهن إذا أرضعت أربعاً بعد ما جرى - بينهن على الجمعِ ما جرى ، فنحكم بثبات الحرمة ، لأنها أرضعت رضيعةً في الحولين خمساً ، ومثل هذا لا سبيل إلى [ درائه بالوساوس ] ( 2 ) ، والتقديرات . وهذا هو الذي لا ينقدح غيره . فإن قيل : فإذا كنا نحتسب ما صدر من كل واحدة رضعة ، فقد تعدّدت الرضعات . قلنا : نعم ، هو كذلك ، ولهذا كان الأصح أن الصادر منهن رضعات ، ولكن يجوز أن يقال على الوجه الضعيف : هن بمثابة بنت واحدة تُرضع في دفعة لبناً كثيراً ، فإذا رُدِدنا إلى اعتبار كل واحدة في نفسها ، ردَّدْنا النظر إلى فعلها وإرضاعها . هذا منتهى القول في هذا الفصل .
--> ( 1 ) في الأصل : احتياط . ( 2 ) في الأصل : وهذا لا سبيل إلى وراه بالوسايس . والمثبت تصرف من المحقق .