عبد الملك الجويني
361
نهاية المطلب في دراية المذهب
بالوصول إلى الفم كالقطرة التي تغيب بمجاوزة الغلصمة ، وقدّروا اختلاطها برطوبات الفمّ بمثابة اختلاطها برطوبات المعدة . ومن أصحابنا من جعل الريق من حيث إنه من محلٍّ ملحقٍ بالظواهر بمثابة سائر المائعات التي يختلط اللبن بها ؛ حتى يترددَ النظرُ في الغالب والمغلوب . وقد نجز ما أردناه من تغايير اللبن بالصنعة والزمان والاختلاط . 10018 - ثم ذكر الشافعي بعد هذا حكمَ لبن البهائم ، فلا تتعلق به حرمة ، وهذا لا غموضَ فيه ، ولكنه قصد بإيراده الردَّ على عطاء ؛ فإنه جعل الصبيين المجتمعين على لبن بهيمةٍ أخوين ، وهذا من فَضَحات مذهبه ؛ فإن الأخوةَ فرعُ الأمومة والأبوة ، وأخ الإنسان ابن أبيه وابن أمه ، وإذا استحال تقدير الأصل ، استحال الفرع . 10019 - ثم ذكر الشافعي لبن الميتة ، فإذا ماتت المرأة ، فاحتُلِبَ منها بعد الموت لبن ، لم يتعلق به حرمةُ الرضاع عند الشافعي ، فإن انفصاله جرى والجثة منفكة عن الحرمة الثابتة للأحياء ، وخلاف أبي حنيفة ( 1 ) مشهور في ذلك . ولو احتلب اللبن منها ، وهي حية ، فماتت ، فتعاطاه الصبي بعد موتها ، فالذي قطع به أئمة المذهب أن الحرمةَ تتعلق به ، والسبب فيه أن الذي عليه التعويل في سقوطه [ سقوطُ ] ( 2 ) حرمةِ الميتة ؛ [ فإنها ] ( 3 ) إذا ماتت واللبن في ثديها ، فيتبعُ سقوطُ حرمة اللبن سقوطَ حرمة الأم ؛ من جهة أنه اكتسب الحرمة من انسلاكه في مجاريها ، وهي حية ، فإذا لم ينفصل حتى سقط حرمتُها ، فيسقط حرمةُ اللبن تبعاً ، كما تثبت حرمتُه تبعاً . وهذا المعنى إنما يتحقق إذا ماتت واللبن في ثديها ، فأما إذا حُلب اللبن منها في حياتها ، فسقوط حرمتها إذا ماتت يستحيل أن يتعدى إلى اللبن المفصول منها . وبلّغني من أثق به أن القاضي كان يحكي وجهاً أن الحرمة لا تتعلق باللبن المحلوب
--> ( 1 ) ر . مختصر اختلاف في العلماء : 2 / 320 مسألة 814 ، مختصر الطحاوي : 222 . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) في الأصل : أنها .