عبد الملك الجويني
360
نهاية المطلب في دراية المذهب
بمثابة قِلَّةِ القدر ، فإن القَطْرةَ إذا وصلت وإن لم يظهر لها غَناء في الغذاء محسوس بمثابة المقدار الصالح منه ، وإنما نَظَرُنا في أنه إذا انغمرت جميعُ الصفات ، هل يسقط إثرُ الغذاء ؟ 10015 - [ وكل ] ( 1 ) ما ذكرناه فيه إذا اختلط اللبن بالماء ، فأما إذا اختلط بغيره من الأطعمة والأدوية ، فجميعها على أقدارها بمثابة الماء القليل ؛ فإنه لا حدّ فيها للشرع في تميز الكثير عن القليل . 10016 - ولا ثقة بدرك لُباب هذا الفصل إلا بالنظر في دقيقةٍ ، وهي أن اللبن إذا اختلط بشيء اختلاطاً حقيقياً ، ولم يُستيقن انبثاثُه على جميع أجزائه ، وفُرض تعاطي الصبي طرفاً مما لا يستيقن انبثاثُ اللبن إليه ، فالظاهر أن الحرمة لا تتعلق به ؛ فإن وصول اللبن مشكوك . وجَبُن بعض أصحابنا ، فأجرى حكمَ الحرمة مجرى الحكم بالنجاسة ، فقد ثبت أن قطرة من البول لو وقعت في طرفٍ من ماء قارٍّ على ضَحْضَاحٍ منبسط ، فيتصل بوقوعه حُكْمُنا بنجاسة الطرف الأقصى ، فلا ينبغي للفقيه أن يُجري حكمَ اللبن هذا المجرى ؛ فإن مدار هذه الفصول في الرضاع على استيقان وصول اللبن إلى الجوف ، وإن كان مغلوباً ، أو على إسقاط حكمه إذا غُلب . والنجاسةُ معظم أحكامها مبنيّ على التقذّر وعيافةِ النفوس . وهذا المعنى قد يحصل في الطرف الأقصى قبل انبثاث النجاسة حساً إليه . ومن أصحابنا من أجرى اختلاطَ اللبن مجرى اختلاطِ النجاسة إذا قلنا : لا تسقط حرمةٌ مغلوبة ، وهذا غفلة عن سرّ الباب وخلطُ الأصل بأصلٍ . 10017 - ومما يتعلق بتمام القول في ذلك أن القطرة من اللبن إذا قطّرت في فم الصبي ، ومازجها ريقُه ، وصارت مغلوبةً بالريق ، فالذي ذهب إليه الجماهير أن الحرمة تثبت ، وبَنَوْا ذلك على عسر النظر إلى ما وراء الشفتين ، وجعلوا القطرةَ الغائبة
--> ( 1 ) في الأصل : فكل .