عبد الملك الجويني
359
نهاية المطلب في دراية المذهب
يبلغ قلتين [ يجري ] ( 1 ) الترتيب فيه على عكس ما ذكرناه ، فنقول : إن أتى على بعض الماء على الحد الذي ذكرناه ، لم يتعلق به الحرمة ، وإن أتى الصبي على جميع الماء ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - أن الحرمة تثبت وإن كان اللبن مغلوباً ، كالماء القليل . والثاني - أن الحرمة لا تثبت ؛ فإن هذا المبلغ من الشرع ( 2 ) على قوة غالبة ، ولذلك لا يحمل نجساً مع استيقان انبثاث النجاسة فيه . والأولى أن ننفصل عن هذا ونقول : أمرُ النجاسة واندفاعُها مبني على مسيس الحاجةِ والضرورة ؛ فإن المياه إذا كثرت وبلغت مبلغاً لا تحويه الظروف والأوعية ، فيعسر صونها عن النجاسة ، ومن الأصول الثابتة العفوُ عن النجاسات التي يعسر التصوُّن منها ، وهذا المعنى لا يتحقق في اللبن ، فيجب أن نرعى فيه استيقان وصول اللبن إلى الجوف . وإذا كان كذلك ، فلو أتى الصبي على قُلَّةٍ من الماء ، وقد مازج الماءَ رَطلٌ أو أكثر من اللبن ، فلا يبعد تخريج ذلك على الخلاف ، فإن هذا القائل يجعل الماء الكثير كالماء القليل ، ولا يربط بما فيه من القوة الدافعة للنجاسة حُكماً ، فيترتب عليه إخراج حد الكثرة عن الاعتبار . 10014 - ومن تمام البيان في هذا الفصل أنا ذكرنا اللبن وكونَه مغلوباً أو غالباً ، وقد اختلف أئمتنا في معنى الغلبة ، فذهب ذاهبون إلى أن المغلوب هو الذي لا يُحَسُّ له وصف ، وإليه مصير الجماهير . وذكر الشيخ أبو علي وجهاً آخر أن المغلوب هو الذي يَخرُج بكثرة الماء عن كونه معتدّاً للتغذي ؛ فإن الغلبة في كل باب تعتبر على حسب ما يليق به ، والمعنيُّ بما ذكرناه أن يصير اللبن - وإن كان يحسُّ لونه مثلاً مع الماء - بحيث لا يغذي . [ وهذا الذي ] ( 3 ) ذكره فيه خيالُ الفقه ، ولكن التصوير لا يطابقه ، فإن وصف اللبن إذا كان بادياً ، فلا بد وأن يكون مؤثراً جنسُه في الغذاء ، وإن كان يرق ، وهذا
--> ( 1 ) في الأصل : جرى . ( 2 ) الشرع : المراد هنا الماء : أي إن هذا القدرَ من الماء ، اعتبر الشرعُ فيه قوةً غالبةً . . . إلخ . ( 3 ) في الأصل : وهو الذي .