عبد الملك الجويني
355
نهاية المطلب في دراية المذهب
فأما ما يصل إلى محل التغذية ، فيتعلق حرمة الرضاع به . وما يصل إلى الباطن ، ومثله يفطر ، وليس محل التغذية ، ففي تعلق حرمة الرضاع به قولان ، كالحقنة ؛ فإنها مفطرة ، وإذا حقن الصبيُّ [ اللبنَ ] ( 1 ) ، ففي حصول حرمة الرضاع قولان : أحدهما - أنها تحصل اعتباراً بالفطر ، وأيضاً فالتداوي من الأغراض المقصودة كالتغذي ، ولو قيل : الأغذية في معنى الأدوية ، والمقصودُ من استعمالها ردُّ الطبيعة المائلة بسَوْرة ( 2 ) الجوع إلى الاعتدال ، لكان سديداً . ومن راعى مكانَ التغذية ومَظِنتَها ، تشوّف إلى معنى كلي مقصودٍ بقول ( 3 ) المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن الأنساب امتشجت من وشائج الخلق وأطوار النطف ، والألبانُ تؤثر في البنية قريباً من تأثير مواد الزرع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم " ( 4 ) . 10008 - وأما السعوط ، وهو إيصال اللبن إلى الدماغ ، فلأصحابنا فيه طريقان : منهم من أجرى فيه قولي الحقنة مَصيراً إلى أن الدماغ ليس فيه قوة عادية ، وإنما يستعمل السعوط تداوياً كالاحتقان ، ومنهم من قطع بأن السعوط يُثبت الحرمةَ قولاً واحداً ، وإليه ميلُ الأكثرين . وهؤلاء اعتقدوا إفضاء السعوط إلى التغذية ، وهو لعمرنا كذلك ، لأن الرأس تشارك فم المعدة ، وبينهما عِرْقان لا ينتهي شيء إلى فم المعدة إلا ترقى جزء منه إلى الدماغ ، ولا ينتهي إلى الدماغ شيء إلا انحدر منه جزء إلى المعدة ، ولهذا يتقوّى الضعيف بالطّيب الذي يصل إلى دماغه ، فإنه يردُّ جزءاً منه وإن قل إلى المعدة . وإذا وصل اللبن إلى مثانة الصبي ، فهو بمعنى الحقنة وإن زُرّق اللبنُ في إحليله فلم ينته إلى المثانة ، كان ذلك خارجاً على الخلاف في أن ذلك هل يفطر الصائم ؟ فإن
--> ( 1 ) في الأصل : وإذا حقن الصبي الذي . ( 2 ) سَوْرة الجوع ( بالسين ) شدّته وحدّته ( المصباح ) . ( 3 ) يشير إلى الحديث الشريف الآتي . تعليق رقم ( 4 ) . ( 4 ) حديت : " الرضاع ما أنبت اللحم . . . " رواه أبو داود : النكاح ، باب في رضاع الكبير ، ح 2059 ، 2060 ، وأحمد ( 1 / 432 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 7 / 461 ) .