عبد الملك الجويني
353
نهاية المطلب في دراية المذهب
بمدة الرضاع ، [ وتبين لنا أن إرضاع الكبير ] ( 1 ) لا يؤثر ، ولا يحرّم . وقد روي أن سهلة بنت سهيل ، قالت : كنا نرى سالماً ولداً ؛ وكان يدخل علينا وإنا فُضُلٌ فراجعت رسول الله في أمره ، فقال عليه السلام " أرضعيه خمسَ رضعات " ( 2 ) ففعلتْ ، وكانت تراه ابناً من الرضاعة ، فأخذت بذلك عائشة فيمن أحبت أن يدخل عليها من الرجال ، وكانت ترى إرضاعَ الكبير مثبتاً للحرمة في حق الناس كافة ؛ تعلقاً بحديث سهلةَ وسالمٍ ، وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس ، وقلن : ما نرى الذي أمر به رسول الله إلا رخصةً في سالم وحده . وروى الشافعي أن أم سلمة قالت في الحديث : هو لسالم خاصة ، وفي هذا الأصل تصرّفٌ للشافعي رمز إليه المزني ، ولم يستقصه ؛ وذلك أن خطاب الرسول عليه السلام إذا اختص بمختصٍّ في حكاية حال ، فحكم الصيغة اختصاصُ الحكم بالمخاطب ، وإذا قضينا بأن الناس في الشرع شَرَعٌ ، حكمنا بأن حُكْمه على معيّن حكمٌ على الناس كافة ، فهذا متلقى من دأب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإجماع ، ومستند اعتقادهم في هذا ما كانوا يشاهدون من قرائن الأحوال في قصد رسول الله التعميمَ . فإذا اضطرب رأيهم في قصد التخصيص ، واللفظُ في نفسه مُختص بالمخاطب ، لم يجز تعميمُ الحكم ؛ سيّما إذا اعتضد خلافُه بما يستقل دليلاً ، وقد قال عز من قائل : { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ } [ البقرة : 233 ] ، فأثبت تمامَ الرضاعة في الحولين ، فاقتضى مفهومُ الخطاب أن ما بعدهما ليس في حكم الرضاعة ؛ إذ ليس بعد التمام أمر معتبرٌ منتظر ، ولا يمكن حمل هذا على اعتياد الناس ؛ فإنهم على أنحاء مختلفة . ورأيت في بعض المجموعات حديثاً رواه صاحب الكتاب بإسناده عن سفيان بن
--> ( 1 ) في الأصل : وتبين لها أن الرضاع الكبير . ( 2 ) حديث سهلة بنت سهيل : " كنا نرى سالماً ولداً . . " الحديث . رواه الشيخان ( البخاري : النكاح ، باب الاكفاء في الدين ، ح 5088 . مسلم : الرضاع ، باب رضاعة الكبير ، ح 1453 ) .