عبد الملك الجويني
342
نهاية المطلب في دراية المذهب
على أنا لو رُددنا إلى القياس ، لم نتوسع فيه في أصول الرضاع ، فإن اقتضاء الرضاع الحرمةَ والمحرميةَ ليس مما [ يستدّ ] ( 1 ) فيه قياسٌ معنوي أو شبهي ، فلا وجه إلا القطعَ بأن الكتاب تضمّن تبيينَ أصولٍ من الرضاع ، ولم يجر تخصيصه إياها على صيغةٍ تتضمن نفيَ ما عداها ، فمضمون الكتاب استفتاحُ الكلام في الرضاع ، واستتمامه متلقّىً من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، إذ قال عليه السلام : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وهذا من جوامع الكلم ؛ فإنه شامل لقواعد حرمة الرضاع ، لا يغادر منها شيئاً ولا يتطرق إليه تأويل ، ولا مثنوية ، ولا حاجة فيه إلى تتمةٍ بتصرف قائس . 9991 - ثم لما نظر الشافعي إلى مضمون الكتاب والنصِّ الشامل الكامل المنقول عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، رأى أن يعقب هذا الترتيبَ بالتصريح بإثبات الحرمةِ في جانب الفحلِ ؛ فإن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " مستقل بإفادة التحريم في جميع القواعد . والذي يكاد يُردّ عنه نظرُ الناظر الحرمةُ في جانب الفحل وانتشارُها ؛ من جهة أن اللبن ينفصل عن الأم ، فذكر الشافعي على الاتصال بتمهيد القواعد لبنَ الفحل ، توطئةً لأصل الكتاب ، ثم عقد في لبن الفحل باباً من بعدُ ، والحرمة تثبت في جانب الفحل ، وتنتشر على مذاهب جماهير العلماء . والشاهد لذلك حديث خاصّ ناصٌّ يعضد موجَبَ العموم من قوله عليه السلام : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وهو ما روي أن أفلح بن أبي القُعَيْس ، وفي بعض الروايات أفلح أخا أبي القُعَيْس استأذن على عائشةَ ، فاحتجبت منه فقال : تَحَجَّبين مني ؟ أنا عمك ، فقالت : وكيف ذلك ؟ قال : أرضعتك زوجة أخي بلبان أخي ، فقالت عائشة : إنما أرضعتني المرأة لا الرجل ، ثم راجعت عائشة رسول الله فقال عليه السلام : " إنه عمك تربت يمينك ، فليلج عليك " ( 2 ) .
--> ( 1 ) في الأصل : يستمر . والمثبت تصرّف من المحقق على ضوء المعهود من ألفاظ إمام الحرمين . ( 2 ) حديث ابن أبي القعيس متفق عليه ( البخاري : النكاح ، باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء في الرضاع ، ح 5239 . مسلم : الرضاع ، باب تحريم الرضاع من ماء الفحل ، ح 1445 ) .