عبد الملك الجويني

26

نهاية المطلب في دراية المذهب

9639 - وأما إذا لم يكن موجباً للحدّ ، ولكن كان يقتضي تعزيراً ، فالذي نقدمه أنه إذا كان في الواقعة نسبٌ ، وهو يبغي نفيَه ، فيلاعن كيف فرض الأمر ، سواءٌ طلبت أو لم تطلب ، عَفَتْ أو لم تَعفُ ، سواءٌ كان التعزير تعزيرَ التكذيب أو تعزيرَ التأديب ، على ما سنبين انقسامَ التعزير ؛ وذلك أن أعظم المقاصد نفيُ النسب ، كما ذكرناه ، وهو ثابت ، فلا مبالاة مع تعرض النسب لغيره . وإن لم يكن في الواقعة نسبٌ والقذفُ موجِبُ التعزير ، فلا يخلو التعزير إما أن يكون تعزيرَ التكذيب ، وإما أن يكون تعزيرَ التأديب ، وتعزيرُ التكذيب هو الذي يستوجبه الرامي ، وهو مكذَّب في رميه في ظاهر الشريعة ، والتعزيرُ يقام لتحقيق تكذيبه ، وهو نحو أن يقذف الرجل أمةً أو كتابيةً ، فلا حد ، ولكنه يلتزم التعزيرَ تكذيباً له . والنوع الآخر تعزيرُ التأديب ، هو أن يقذف امرأةً بزنا قد ثبت عليها من قبلُ : إما ببينةٍ أو إقرار ، وقد أقيم عليها حدُّ الزنا ، فالرامي يستوجب التعزيرَ ؛ من جهة تعرضه لها بالإيذاء ، وليس المقصد من هذا التعزير إظهار تكذيب الرامي ؛ فإنه مصدَّقٌ ، وإنما الغرض منعُه عن معاودة مثل ذلك على طريق التأديب . فأما تعزيرُ التكذيب فنصوّر فيه ثلاثَ مسائل : إحداها - أن يكون القذف متضمناً تعزيراً والطَّلِبةُ متوجهةٌ به ، وذلك مثل أن يقذف الزوج زوجتَه الأمةَ أو الذميّةَ ، وطلبت التعزير ، فالمذهب الذي قطع به الأئمة المعتَبَرون أن للزوج أن يلاعنَ ، ويرفعَ عن نفسه التعزيرَ ؛ فإنه عقوبة تتعلق بالطلب كالحد ، فإذا طلبته ، كان له رفعُه باللعان ، وفي بعض التصانيف ذكر خلاف في هذا ؛ من حيث إن الواقعة عريةٌ عن نسبٍ متعرض للثبوت ، وعن عقوبةٍ لها وقعٌ ، وهي الحد . وهذا مما لا يجوز الاعتدادُ به ، والوجه بناء المذهب ( 1 ) على القطع بجريان اللعان إذا فرض طلبُ ( 2 ) التعزير الذي يُثبت تكذيباً من المرأة .

--> ( 1 ) ( ت 2 ) : بناء الأمر . ( 2 ) ( ت 2 ) : إذا فرض الطلب والتعزير الذي يثبت تكذيباً .