عبد الملك الجويني
256
نهاية المطلب في دراية المذهب
المال شديد ، والتربص وإن كان واجباً ؛ فإنه من قبيل الأمورِ التابعة ، والآدابِ المتأكدة المترقِّية من نهاية الندب إلى أول درجة الوجوب . فهذا وجه النظر . والذي عليه الاستقرار أن المال إذا كان يضيع ، وله خطرٌ وقدر ، فلا بأس لو خرجت وإن فرض الضياع على وجه الندور . والحاجةُ إذا تعلقت باستصلاحٍ ، وكانت نادرة ، فلا يجوز ترك التربص لها . فينتظم من ذلك أن الحاجةَ الغالبةَ إذا كانت لا تتعلق بضَياع في المال ، وضرورةٍ في البدن ، فيسوغ الخروج لها ، والحاجة النادرة إذا كانت لا تفضي إلى ضياعٍ لا يجوز الخروج لها ، وإن أدت إلى ضياع وإن كانت على الندور ، فيجوز الخروج لها . هذا ما رأيناه . 9887 - ولا يجوز الخروج للاستزادَة ، كالتجارة ، وكذلك الخروج للعمارة التي ليس في تركها ضَياع ، ويلتحق بذلك الزيارة ؛ فإنها لا تبلغ مبلغ الحاجة الحاقة . والحاجةُ المعتبرة هي التي يظهر ضررها لو تركت ، ولو توالت ، أفضت إلى الضرورة . فهذا مجامع الكلام . فإن قيل : الرجل الأقطع اليمين يقطع الأَيْمان ولا قصاص عليه ، والحاجة له مُفْضية إلى ضياعٍ في الأطراف . قلنا : نعم ، ولكن يعارضها أن الهجوم على الدماء لا على القواعد الشرعية شديد ، وتركُ التربُّصِ في العدة قريب ، على أنا قد نقتُل الأقطع إذا أفضت جراحاته إلى الزهوق ، وليس إفضاؤها إلى الزهوق بدعاً . وقد انتهى ما نريد . ورجعت مسائلُ السفر وخروجُ المرأة عن مسكن النكاح في زمن التربص إلى قاعدة واحدة ، قد بانت للفطن . 9888 - ثم قال الأئمة : إذا كانت تخرج لحاجتها ، فلتخرج نهاراً ، وليس يحل لها أن تخرج ليلاً ، مع التمكن من الخروج نهاراً ، والسبب فيه أنها إذا خرجت نهاراً ، كانت مرقوبةً بالأعين ، بعيدةً عن التعرض ، مصونةً بلحظ اللاحظين ، وإذا خرجت