عبد الملك الجويني

235

نهاية المطلب في دراية المذهب

هاهنا ، ولكن ذلك الوجه الذي حكيناه على تثبُّتٍ في نقله وجدناه مشهوراً للأصحاب في الطرق ، فلم نَرَ تَرْكه . ولو انتجزت حاجتها قبل ثلاثة أيام ، فلها أن تستتم المكث ثلاثة أيام ؛ فإن هذا المقدار في حكم السفر أثبته الشرع مدة ليتأهب ( 1 ) لعدة السفر ، وليس معدوداً من الإقامة ، وإن انتجزت حاجتها في ثلاثة أيام فصاعداً ، لم تعرج إلا أن لا تجد رفقة ؛ فإنا لا نكلفها أن تغرر بنفسها . بل ، لا نكلفها أن تتحمل مشقة ظاهرة خارجة عن حد الاقتصاد في الاعتياد ، وإنما يطلب منها ألا تعرّج ولا تُقَصِّر ( 2 ) ، فأما أن تتكلف مشقة ، وتصادم غرراً ، فليس عليها ذلك ، وسنخرّج في هذا قولاً بالغاً يقرب من التحديد ، وإن لم يكن في محل التحديد . هذا إذا كان سفرها متعلقاً بغرض صحيح من الأغراض . 98620 - فأما إذا لم يكن متعلقاً بغرض صحيح ، فأول ما نذكره : أنها إذا بلغت المحل المقصود وكان الزوج أذن لها في أن تقيم في ذلك المحل عشرة أيام ، فهل لها أن تستوفي المدة المذكورة أم يتعين عليها أن ترجع إلى مسكن النكاح ؟ فعلى قولين : أحدهما - يجوز لها أن تستوفي تلك المدة جرياناً على موجب الإذن . وهذا التوجيه عندنا خطأ . والوجه أن نقول في توجيه هذا القول : إذا وطّنت نفسها على الإقامة وتهيأت لذلك ، فلو كُلّفت قطعَ غرضها ، فقد يتعطل عليها أُهَب وأسبابٌ كانت هيأتها للإقامة ، كالمطاعم ، وما في معانيها ، فهذا هو الذي يُوجَّه هذا القول به ؛ فإنّ إذن الزوج - على تفصيله - ينقطع بالطلاق ، ويرتفع أثره بالكلية ؛ فإن إذنه إنما يؤثر ما استمر حكمه على الزوجة ، ولهذا المعنى نقول : إذا خرجت متجرة ، فإنها تمتد في الجهة التي خرجت فيها ، وليس امتدادها معلَّلاً ببقاء الإذن ، وإنما تعليله بما ذكرناه الآن .

--> ( 1 ) " ليتأهب " : أي المسافر . ( 2 ) عرّج بالمكان أي نزل به ، ووقف عنده ( معجم ومصباح ) والمعنى لا تتلبّث ، ولا تتمهل ، ولا تقصر في التأهب للرجوع .