عبد الملك الجويني

52

نهاية المطلب في دراية المذهب

إذا أثبتنا الخِيَرة للمرأة ، فيمتنع ارتدادُ شطر الصداق ما دامت المرأة مستمرة على خِيَرَتها ، وبمثل هذا المعنى يعسر من الزوج مطالبتها بنصف القيمة ؛ فإن التخير من جانبها يوجب تفويض الأمر إلى رأيها ، ورأيُها ليس على الفور ، فكيف السبيل ، وما الوجه ؟ وبأي طريق ينفصل الفقه في هذه المسألة ؟ فنقول : إن أعرضا جميعاً عن الطلب والرد ؛ فالأمر موقوف في حق الزوج ، متردد بين القيمة وبين العين وإن وجّه الزوج الطَّلِبة ، فحق عليها أن ترد نصف العين مع الزيادة أو تغرَمَ نصفَ القيمة ، وليس لها التسويف والمدافعة ، فإن دافعت رُفعت إلى القاضي ، ثم لا يَجزم الزوج دعواه في القيمة ولا في العين ؛ فإن إثبات الخِيَرةِ لها يمنع الجزم في كل واحد من الوجهين ، والقاضي لا يقتضي منها على أن يحبسها لتبذل القيمة أو العين إذا كانت العين عتيدة ( 1 ) ؛ فإنّ تعلُّق الزوج بالعين يزيد على تعلّق المرتهن بالرهن ، وتعلق الغرماء بالتركة التي أحاطت الديون بها ، فنقول لها : إن كان شطر القيمة أقلَّ من نصف العين ، فيُصرف إلى الزوج نصف القيمة ، ويُدفع الفاضل إليها ، وإن كانت العين لا تزيد على القيمة ؛ ففي هذا احتمال ، يجوز أن يقال : لا يسلّم القاضي نصف العين إلى الزوج ، بل يبيعُه رجاءَ أن يجد زَبوناً فيشتريه بما يساوي ، ويتجه في هذا أن يقال : يسلم العين إليه إذا لم يكن فضل في القيمة ؛ لأن حق الزوج متأكد في مالية العين ، فالطلاق على المذهب الظاهر يملّكه شطر الصداق من غير اختيار . هذا منتهى القول فيه . 8408 - ومن بدائع الأشياء اضطراب الأصحاب في معنى قول الشافعي : " وذلك كله ما لم يقض له القاضي " ، وكلامه متصل بذكر زيادة الصداق ، ويتعين عندي حملُ كلام الشافعي في أن القضاء على امتناعها عن [ التسليم ] ( 2 ) قد يقضي القاضي بتسليم العين في الصورة التي ذكرناها ، وظاهر كلام الشافعي دليل على أنه لا يسلم العين إلى

--> ( 1 ) عتيدة : أي حاضرة . ( 2 ) في الأصل : التحريم .